وطنية العربي المتأرجحة

تبلور مفهوم الوطن والدولة القومية لدى العرب بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية، وترسخ بصورته الحالية في خمسينيات القرن العشرين عقب حركة الضباط الأحرار وما تبعها من جلاء للاستعمار الغربي وانحساره في غالبية الدول العربية.

ورافق ذلك تشّكل صورة ذهنية مشوهة في مخيلة الإنسان العربي عن الوطن، ساعدت في رسمها عوامل شتى، وأهم تلك العوامل بنظري هو ذلك الموروث التاريخي السياسي المختل وما ضمن في أدبياته من تضليل أُسس له بشكل ممنهج ليصبح صورة نمطية، وأيدولوجيا راسخة بدءاً بأول خلاف سياسي "صفين والجمل" وما تبعه من استفراد وتداول للسلطة وتوريثها.. رسم معالم ذلك الطريق بني أمية، وسار عليه كل من جاء بعدهم، وما كان ليتم ذلك لو لم يكلل بنصوص دينية "ملوية العنق" وفتاوى أبدعها عالم دين وواعظ سلطان لشرعنة الاستبداد!

أصبحت الوطنية لدى المواطن العربي تقاس بمدى خضوعه للاستبداد وسكوته عن الظلم وتكتمل لدى البعض بالتمجيد والتهليل لذلك الزعيم "الملائكي" الملهم.

يقول الكواكبي "إنَّه ما من مستبدٍّ سياسيّ إلى الآن إلا ويتَّخذ له صفة قدسيّة يشارك بها الله، أو تعطيه مقام ذي علاقة مع الله، ولا أقلَّ من أنْ يتَّخذ بطانة من خَدَمَةِ الدِّين يعينونه على ظلم النَّاس باسم الله، وأقلُّ ما يعينون به الاستبداد، تفريق الأمم إلى مذاهب وشيع متعادية تقاوم بعضها بعضاً، فتتهاتر قوَّة الأمّة ويذهب ريحها فيخلو الجوّ للاستبداد ليبيض ويُفرِّخ".

الأمر الآخر الذي أمعن في تشويه تلك الصورة للأوطان العربية بعد أن رُسمت حدودها وشتت أقطارها وتُبوئِت عروشها، ما تعرض له العربي البسيط من ديماغوجية أمعن في ممارستها حكامه في خطاباتهم الجماهيرية، وتتلخص في تهويل خطر كل ماهو قابع خلف الحدود عدوا كان أو صديق ضخمت في بنيته الفكرية نظرية المؤامرة التي أحال لها بإيعاز المنابروإذاعات، الراديو، وشاشات التلفزيون، والصحف اليومية.. كل قصور ونكوص يعيشه الوطن.

وهذا الأمر أفضى به إلى التشبث بالفرد الحاكم واختزال الوطن في شخصه، واليقين التام بأنهما متلازمان فلا وطن دون ذلك الحاكم وزمرته الحاكمة ذلك الذي تملأ صوره وترافقها على الدوام كلمة وطن وتصريفاتها ومرادفاتها أينما اتجه.

وشيئا فشيئا أصبحت الوطنية لدى المواطن العربي تقاس بمدى خضوعه للاستبداد وسكوته عن الظلم وتكتمل لدى البعض بالتمجيد والتهليل لذلك الزعيم "الملائكي" الملهم حتى كأنه الذي "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه".

وطوال ذلك عاش المثقف العربي الحق في عزلة، أنتجها خوضه معارك الوعي وما لقي في أتونها من كيل للتهم من تخوين واتهام بالعمالة، وتشويه للسمع بعد أن تصادر حريته لسنين يقضيها خلف القضبان، وربما كانت التهمة كتا، أو قصيدة أو مقال صحفي، عرّض بالزعيم القائد في إحداها وانتقده.

وما يحتاجه العربي اليوم بعد أن تلمّس الحرية لأشهر معدودة أيام "بالربيع العربي" -الذي أسقط بعض الحكام وأخمد جذوته ولو مؤقتا من تبقى منهم- هو وعيٌ جمعي بمفهوم الوطن والمواطنة ومعرفة بالحقوق والحريات، يستمدها من ثقته بذاته باستلهام ما مرت به وقاسته أمم مجاورة في سبيل نيل حقها وحريتها.



حول هذه القصة

هل من خوف على حقوق المواطنة من وصول الإسلاميين للسلطة ببلدان عربية؟ الخوف مشروع جدا أو قائم على الأقل وفقا لبعض المشاركين بندوة “الإسلاميون والثورات العربية” بالدوحة، بدليل تجربة كالسودان. لكن آخرين يتحدثون عن فزاعة ويذكّرون بأن تجربة الإسلاميين بالحكم لم تكتمل.

بيّنت ثورات “الربيع العربي”، مع كل التداعيات الناجمة عنها في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا، أن البلدان العربية تكابد مشكلات أساسية، تتعلق بالإدراكات السائدة لمفاهيم الدولة والمواطنة والمجتمع والحرية والديمقراطية.

تثير وضعية الأقباط في الدستور المصري الجديد الذي تجرى صياغته حاليا جدلا كبيرا لاسيما بعد مطالبة ممثل الكنسية في لجنة الخمسين بإلغاء المادة 219 المفسرة لمبادئ الشريعة الإسلامية في دستور 2012 الذي تم تعطيله بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد مرسي.

يستضيف البرنامج مدير المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في باريس أحمد جاب الله، ليتحدث عن المواطنة وهاجس الهوية الإسلامية. ويجيب على التالي: ما مآلات تلك الأفكار لدى مسلمي أوروبا؟ وإلى أين انتهى بهم الحال أمام تحديات التوطين والتدين واختلاف الهوية والثقافة؟

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة