موائِدُنا.. الطعام لص خفي لأموالنا وأوقاتنا

قبلَ خروجه مِن المنزل الى العمل يسألُها هل من نواقص تحتاجينها لِأجلِبَها معي أثناء عودتي. تجيب: " أجل من فضلك هذه قائمة المشتريات "، يُطالعها وهو في طريقه إلى العمل لكي يضع خطة ذهنية لمسار عملية تَسوقه فيتفاجأ بأن القائمة كلها مواد غذائية (كيلو بندورة، كيلو ونصف تفاح ، بهارات أرز كبسة، كريما طبيخ، خمسة علب قشطة، كيلو مكسرات) .

هذه القائمة متشابهة في أغلب منازلنا العربية وإن اختلفت في نوعيتها وكمياتها بما يناسب مستواها المعيشي. نعم أعلم أن الطعام وقود الجسم، والعقل السليم في الجسم السليم، لكن ما لا أعلمه، هل بات التنافس في إعداد أطباق الطعام نوع من أنواع الثقافة؟! أم دليل الرقي والتحضر؟!

باتت موائدنا الطعام لصٌ خفيّ لأموالنا وأوقاتنا تهل علينا أفضل شهور السنة، ونعلم أنها أيام معدودات وترحل والدمع يجري بِمُقلَتيّها على حالنا، وكأنه شهر الطعام وليس شهر الصيام.

أتظنون قمة النجاح أن أهدر نصف يومي في المطبخ لأعد أطباق الطعام فقط لأنهم يقولون " إن الطريق إلى قلب الرجل معدته.

أتجول في الأسواق لأرى الواقع عن قرب، فمحلات الأغذية وَكأن يوم الحشر على أبوابِها، وفي الجهة المقابلة بائع كُتب يَفترش "بسطة" على الرصيف وقد اصفرَ لون صفحات الكُتبْ، يبدو أن بِضاعَته لا تتجدد لقلة الطلب عليها.

أمر أمام المسجد خاوي على عروشه، وأمر أمام مطعم وكأنه ملك متربع على العرش لكثرة رِواده، وأجلس مع قريباتي وبطريقه سحريه ينقلب الحديث عن أطفال الشام المساكين إلى تبادل وصفات الطعام.

أُدعى إلى وليمة طعام، فعلى مد بصري أرى أطباق ما لذ وطاب ولا أدري أي منها ألتهم. أذهب لزيارة صديقتي التي تُكرِمني بالضيافة فأحتاج بعدها شهر لِهضم ما تناولت، وأنا على استحياء أن أرفض ما تُقدمه لي.

أتظنون أنني أتفاخر بأن أهدر راتب أبي -الذي يَكد ليل نهار من اجل ان يُعلِمنا- في المطاعم فقط لأقول لناس إنني سعيده بعد أخذ صورة "سيلفي والأطباق من خلفي" حتى لو ملكَ مال قارون.

أتظنون قمة النجاح أن أهدر نصف يومي في المطبخ لأعد أطباق الطعام فقط لأنهم يقولون " إن الطريق إلى قلب الرجل معدته ".

أتظنون أنني أخجل أن أجيب إذا سألني أحد "ما هو طبق غَداءكم اليوم؟ " بحساء العدس. لا أقصد أن لا نذهب للمطاعم أو لا نشتري ونعد أشهى أطباق الطعام، فالله جل عُلاه يحب أن يرى أثر نِعمه على عباده، ولكن يجب أن لا تكون "كُروشنا" أُولى اهتماماتنا، لِنشعر بالآخرين فكم من فقير نام والجوع يلتهم أمعاءه، كم من طفل نازح بحث بين أكياس القُمامة لعله يجد ورقة لوح شوكولاته ما زال عليها بقايا عالقه ليلعقها بلسانه الجاف.



حول هذه القصة

توصل علماء في ألمانيا إلى أن للصيام تأثيرا إيجابيا على صحة الكبد، ووجدوا أن نقص الطعام يؤدي إلى إنتاج بروتين “GADD45β” الذي يعدّل الأيض في الكبد.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة