مجتمع ذكوري لا أَبوي

ملاحظة.. لستُ فيما أقول أقصد شخصاً بعيْنه.. أو قصةً بعينها، هو ممَّا قد نُصادفه أو نسمعُه من فُلانْ وآخر، ليْست رسالة مُشفَّرة لأحد كما يظُنُّ البعض، أولئك الذين ينهالُون عليْك مُعاتبين، كلُّ ما نكتبه يمر على ماسح الضمير أولاً، كلُّ سطر يحمل رسالة بريئة قد تُفيق البعضْ من غيْبوبة ما قد تكون بمثابة صفعة لنا.

لأنَّنا عندما نكتُب نتعرف على جانبٍ مجهول من ذاتِنا…نتعرف على أنفُسنا وأخطائنا العبثية أوْ المقصودة.. تُفيدنا بالنهاية جميعاً "بأنَّ الوقت يمضي والزمن لا يظلم أحد، إنَّما عقلياتُنا وطيشنا من ينخر بنا ألماً ما، لأنَّنا بتنا نخلِط بيْن الشهوة العابرة والمبدأ الراسِخ إلى المدى المجهول الذي ينقضي بِزوالنا".

أنا امرأة تأبى العيْش على هامِش رجُل
من رباني علَّمني أنَّ الرُجولة مواقِفْ
أنَّ من يقصد بابك فقد صدق الخُطى
و من يطرق باب قلبك مُختلِساً
فقد أبى إلاَّ أن يكون من أشباهِ الرِّجال

لم أكتُب لأشُّن حرباً على الرجال أبداً، فالعتب على المرأة والرجل كليْهما فهما لبنة المجتمع وأساساته، لكن عتبي الوحيد على من يتسلَّى ويرحل.

لن تُسوِّل له نفسه إن لم تُعطي له الضوء
حينها يقع اختيارك بأن تكوني شبه امرأة
صغيرتي الحياة امتحان
تأتي بعده الدُّروس تِباعاً
احذري يا ابنتي سأمضي يوْماً

سأكُون ذكرى فلا تبخلي بالدُعاء
قد تُبكيكِ نصائحي وشدَّة خوفِي عليْكِ..
كثُر الذئابْ
ولن تكوني يوماً مُروضة أحد
خطأ ما يُروَّج له بأفلام  ومسلسلات الضياعْ
الانتحار الفكريّ البطيء

فعليْكِ بتحصين نفسك برضا الله والوالدين
احترمي أُنوثتك
فقبل أن تكوني أنثى أنتِ امرأة
ربَّاك رجل وسهرت على راحتك من تحت قدميْها الجنة
كُوني أميرةً بأخلاقك
لا تكوني ماكرة تَفتن الرجال
هذه وصيتي
إلى اللِّقاءْ فلذة كبدي..

أكُون كذَّابة إنْ قُلت أنَّ هاته الكلمات نطق بها أبي رحمه الله، لا لم يقلها لي، لكنَّني تجرعتها مع ألمِ الاشتياق له.. تخيلت لو أنَّ أبي ما زال على قيْد الحياة ماذا كان سيُخبرني، بما كان سينصحني.

رسالتي لكلِّ من والدها بجانبها الآن، أُحضنيه متمنيةً له يوْماً طيِّباً، ارسمي قُبلةً على جبينه كُلَّ صباحٍ ومساء، قبل خُروجك من البيت، قبل إيوائك إلى فراش الراحة الدُنيوي ليْلاً.. عيشي لحظاتك الجميلة معه، تمتعي بلفظ أبي.. اطلبي منه أن يعلِّمك شيئاً ما تخبئينه للذكرى.

فإن غادر قبلك امتلكت كنزاً تورثينه لأولادك وأحفادك، وإن مضيتِ قبله تركتِ له جُرعة حُبٍّ تروِي عطش الاشتياق لديْه..فالأب شمعة تنير طريقك حتى بعد الغيابْ "أخبرني أبي ذات ليلة أنُّه يتمنى رُؤيتي بالجنة.. لا أذكر عُمُري جيدا حينها، لكنَّني أذكر صِدق أُمنيته".

لم أكتُب لأشُّن حرباً على الرجال أبداً، فالعتب على المرأة والرجل كليْهما فهما لبنة المجتمع و أساساته، لكن عتبي الوحيد على من يتسلَّى ويرحل "من فضلك إن جهلت هي خطأها، لا تورطها بأكذوبة الوفاء العشقي لتتركها بعد حين تبكي حسرة، الدُّنيا دولاب لا يتعب من الدوران".

أنصحها لوجه الله وابتعد، إن كنت مستعداً للارتباط تقدَّم لأهلها طالبا قُربها بالحلال، وإن تعذَّر عنك ارحل، ستبكي يوميْن أو سنتيْن، وتُشفى من ماضيها.. تنضجُ كفاية. وحينها ستدعو لك بالخيْر، لأنَّك حميتها من نفسها قبل أن تحميها من فخ العلاقات.

أنت رجل ومثلك نادرون، والندرة ليست بقانون يترصَّدُ بالنساء فقط، فالعبارة المشهورة اليوم بين أوساط الشباب هي "النساء متشابهات كلهن خائنات، تبحثن عن المادة، وتتصيدن الفرص، ياه كيف لنا معشر الرجال أن نقي أنفسنا شر مكائدهن، لكن نفس المقولة تنطبق عليكم بمنطقهنَّ أيضاً".

الخطأ تكاثر، ونسبة العُزوف عن الارتباط زادت، والسبب هو سوء الظن من كلا الطرفيْن
والحقيقة بسيطة "أنَّ الحياة فيها مسارح عديدة، هناك أبطال يتنافسون على الشهرة وآخرون هدفهم تعميم المنفعة، منهم من يرضى بدوْرٍ بسيط ما دام يُوصل رسالته للمجتمع، والبعض يرضى بالدوْرِ الكبير الأكثر تصفيقاً بداعي الشهرة ولا يعنيه المغزى…"

تعوَّدنا إلقاء اللوم على بعضنا البعض، أنتِ سبب انحراف المجتمع، تتنكرين لنا كلَّ مرة بشخصية، عادة بالبريئة الناصحة، وفي داخلك تُخفين عكس ذلك، أنتُن النساء تتظاهرن بأنَّكن مثاليات، وفي الأخير نكتشف شخصياتكن الحقيقية، المكر الأنثوي المُلَّغم تحت عباءة الاستحياء.

أصابعُ اليد لا تتشابه وكذلك نحن البشر، فأرجوكم احتفظوا بأذواقهم ولا تخلطوا بينها وبين المبادئ.

هذا ليس خيال وإنما واقع نراه كثيراً، كأنّها حرب أعلنها الذكور بمجتمع سيطروا عليه بغبائهم الحاد الذي يشكِّل أكبر كارثة تنقلب عليهم ذات يوْم، أصغي إلي من أنت حتى تُحاكمها، هل تعلم ما في داخلها… لماذا تُسيء الظن بنواياها، قد تكون حقيقة باطنها الجميلة البريئة مُنعكسة على ظاهرها، وفي النهاية تتجرع سمك بيديْك، رجاءاً لا تُحمِّل الرجولة سواد أفكارك، ودع النساء لحالهنَّ فكلُّنا سنُحاسبْ.

أصابعُ اليد لا تتشابه وكذلك نحن البشر، فأرجوكم احتفظوا بأذواقهم ولا تخلطوا بينها وبين المبادئ، هو جدلٌ عقيم، والمعادلة بسيطة..يوماً ما ستكونين أم وأنت ستكون أب، حينها ستتركون نفس الخطاب لأبنائكم و أحفادكم.

أيهُّا الرجل صدقني ستترك نفس الرسالة لابنتك لأنَّك تدري أن العقليات تغيرت، وبات المجتمع كالغابة يُغطِّيها قطيع ذئاب، لأنَك تعلم أنَّ مُجتمعنا بات ذُكوري وليته لا يزالُ أبوي..الأبْ يُسيطر حتى لا يتمرد أفراد أُسرته تحت مسمى الاستقلالية والنضج، وفي الأخير يكونُ هذا الشبل من ذاك الأسدْ.

لا تعتبْ.. لا تعتبي.. فكلانا على خطأ.. رسالةٌ إليهما!



حول هذه القصة

تندرج رواية “كاريزما” للروائية اللبنانية هالة كوثراني ضمن رواية الأطروحة النسائية التي تتخذ من السرد قناعا فنيا للمرافعة ضد القهر التي تعانيه المرأة عبر التاريخ،

تدافع الكاتبة الجزائرية المعروفة أحلام مستغانمي في ديوانها الشعري الجديد “عليك اللهفة” عن أطروحتها المؤسسة لمشروعها في الكتابة الروائية، وهي الأطروحة النسائية، موظفة لغة شفيفة تنسجم مع الموضوعات المعالجة.

جليسنا لهذا الأسبوع كتاب يتحدث عن بنية المجتمع العربي الأبوية، ويناقش تطور وضع المرأة في مرحلة ما قبل الإسلام وحتى الوقت الحاضر، وهو يلحظ أن انتصار الإسلام للمرأة وتحريره لها ما لبث أن تعرض لضربات عديدة من قبل التقاليد والثقافات البدوية.

تشارك المرأة المغربية بشكل ضعيف نسبيا بالحياة السياسية وتسيير الشأن العام رغم أن النساء تشاركن بالانتخابات بالتصويت بنسبة تفوق في بعض الأحيان مشاركة الرجال. ويفسر البعض ذلك أساسا بسيادة العقلية الذكورية داخل الأحزاب السياسية وفي المجتمع بصفة عامة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة