حركات الإسلام السياسي بين شمول الإسلام ودواعي التخصص

عُرفت حركات الإسلام السياسي ذات الجذور الإخوانية بطابعها الشمولي، حتى أن الشمول ليعد أحد أبرز محددات هويتها، وذلك منذ أعلن مرشدها المؤسس الشيخ حسن البنا رحمه الله أن دعوة الإخوان المسلمين "دعوة سلفية وطريقة سنية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية ثقافية وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية" (رسالة المؤتمر الخامس).

بيد أن موجات الربيع العربي وما تلاها من أحداث جعلت العديد من هذه الحركات تدخل في مراجعات كبيرة طالت في بعض الأحيان رؤاها وربما بعض مرتكزات هويتها، ومن ذلك إعلان حزب حركة النهضة التونسي في مؤتمره الأخير التخلي عن الشمولية واقتصار مشروعه الإصلاحي على مزاولة النشاط السياسي، وإعلان زعيمه الشيخ راشد الغنوشي في تصريح له مثير أن حزب حركة النهضة حزب سياسي مدني ديمقراطي ولا علاقة له بالدعوة !

كون الإسلام دين شامل لا يتنافى مع أن تميل بعض الحركات الإسلامية إلى التخصص فتخدم الإسلام في المجال الذي تبدع فيه.

وقد تلقف البعض عبارته هذه بسرعة وبنى عليها أحكاما كبرى، كان أبرزها القول بأن حركة النهضة قد تخلت عن هويتها الإسلامية بتخليها عن طابعها الشمولي، وبالتالي فإنها بذلك تكون قد خرجت من عباءة الحركات الإسلامية وأصبحت حركة ذات طابع علماني!

فهل هذا الإدعاء صحيح؟ أم أنه يدخل في إطار القراءات المبسطة التي لا تنظر للحقائق في طابعها المركب؟

الذي أميل إليه ومقتنع به، أنه لا تنافي بين التخصص والإسلامية، وأن الإصلاح الشمولي ليس ضرورة لازمة يعتبر العجز عن تحقيقه عجز عن الإسلام وتخل عن مبادئ الحركات الإسلامية السياسية.

وقبل الحديث عن مستندي في هذا التحليل، أودّ القول بأن مسألة شمول الإسلام مسألة محسومة نظريا بالنسبة للحركات الإسلامية السياسية، ولا قائل بينها يعترض على هذه الحقيقة أو يقول بما يتعارض معها.وحركة النهضة حين تخلت عن الطابع الإصلاحي الشمولي لم تكن تقصد الاعتراض على هذه الحقيقة والتخلي عن التصور الذي يقول بشمول الإسلام، فقد عاشت هذه الحركة مثل غيرها من حركات الإسلام السياسي عقودا من الزمن تناضل من أجل ترسخ معنى شمول الإسلام.

وكتب زعماء الحركة وعلى رأسهم الشيخ راشد الغنوشي مقالات وكتب لشرح هذا المفهوم، وإنما الذي تعنيه حركة النهضة -حسب فهمي- هو أنها في ظل عجزها عن خدمة الإسلام في كافة ميادين الحياة، فإنها تكتفي في هذه المرحلة بخدمته في الجانب السياسي، وذلك تأسيسا على الآيات القرآنية الكريمة "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، "لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها"، "فاتقوا الله ما استطعتم"، وهي بناء على هذا فاستطاعتها في هذه المرحلة إنما هو العمل السياسي فحسب.

وأما كون الشمول ليس ضرورة لازمة، فذلك لأن الشمول -أولا- لا يناقض التخصص الدعوي: فكون الإسلام دين شامل لا يتنافى مع أن تميل بعض الحركات الإسلامية إلى التخصص فتخدم الإسلام في المجال الذي تبدع فيه، وتؤدي بذلك فرض الكفاية فيه، على أن يسد غيرها الثغرة في جوانب أخرى ربما يكون هو أكثر استعدادا وقابلية للأداء فيها، فتتكامل بذلك الجهود لتعبر عن الطابع الشمولي للإسلام.

والأمر الثاني: هو أنه كانت للشمول دواعيه التي فرضت على حركات الإسلام السياسي طرحه في فترات نشأتها الأولى حيث كان الإسلام يواجه مخاطر التشويه والتحريف، وتبذل جهود كبيرة لإقناع المسلمين على أنه دين لاهوتي لا علاقة له بالحياة وإنما هو علاقة روحية بين المرء وربه، فاقتضى ذلك من الحركات الإسلامية ومن دعاة الإصلاح العمل على دحض تلك الشبه وإثبات عكسها، وذلك بإثبات شمول الإسلام نظريا عبر تأصيله من خلال نصوص والوحي، وعمليا بتبني الإصلاح الشامل في كل مناحي الحياة.

تغيرات كبيرة جعلت حركات الإسلام السياسي في عديد من البلدان العربية تتحول من حركات إصلاح مكانها السجون إلى لاعب سياسي رئيس ومنافس قوي على السلطة. 

والآن وقد رسخت حقيقة شمول الإسلام، فما المانع من أن تميل بعض الحركات الإسلامية إلى العمل المتخصص إذا كانت تعترف بأنها بذلك إنما تخدم الإسلام في بعض جوانبه ولا تدعي أنها تمثل حقيقة الإسلام في كل معانيه؟!

هناك مسوغات عديدة تعزز هذا الطرح وتبرر فكرة التخصص، منها: محدودية الطاقات لدى بعض الحركات وخصوصا الحركات التي كانت في المهجر مما يجعل التخصص ربما يكون أكثر جدوائية وقيمة بالنسبة لها، ومنها صعوبة الواقع وأنه في بعض الحالات قد يكون أكبر من بعض الحركات فيكون ميلها إلى التخصص والتكيُّف مع الظرفية أحسن لها.

ومنها التغيرات الكبيرة التي جعلت من حركات الإسلام السياسي في عديد من البلدان العربية تتحول من حركات إصلاح مكانها السجون إلى لاعب سياسي رئيس ومنافس قوي على السلطة، مما يجعل مسألة التفرغ للعمل السياسي أمرا يقتضه طبيعة التحول الحاصل.

وأودّ القول هنا في ختام هذه التدوينة بأن التخلي عن الشمولية ليس تخل عن المرجعية الإسلامية، فقد يكون الحزب الإسلامي أو الحركة الإسلامية لا يمارسان الدعوة بمفهومها المتخصص ويقتصر عملهما على الأداء السياسي، على أن ذلك لا يخرجهما من عباءة حركات الإسلام السياسي ما داموا يلتزمون بالمرجعية الإسلامية.



حول هذه القصة

مفكر وسياسي تونسي، من مؤسسي حركة الاتجاه الإسلامي. حوكم بسبب نشاطه الدعوي والسياسي، وعاش نحو عقدين بالمنفى. أسهم مع حركة النهضة في إنجاح مرحلة ما بعد بن علي.

هذا المقال يحاول رصد تحولات الصوفية في المشهد المصري وماهية علاقاتها مع قوى الإسلام السياسي، ومع المؤسسة العسكرية، كما يسعى لاستشراف المستقبل الذي تنتظره الصوفية على المسارين الدعوي والسياسي؟

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة