الكرة السياسية

كل حاكم على وجه الأرض يسعى لأن يكسب دعم وتأييد الناس، فإن لم يستطع فربما يكفيه أن يشغلهم بأشياء جانبية تلهيهم عن مراقبة سياساته والتدخل في حكمه، من الممكن أن تكون هذه الملهيات هي محاربة الإرهاب، أو مواجهة القوى العالمية الماسونية، ومن الممكن أيضاً أن تكون مبارة كرة قدم.

تعد لعبة كرة القدم الرياضة الأكثر انتشاراً حول العالم من حيث المتابعة والممارسة، بدأ وضع قواعد اللعبة في منتصف القرن التاسع عشر، ومن يومها لا تزال اللعبة تتوسع من حيث الأموال المنفقة عليها والاهتمام الجماهيري بها منذ عقد تقريباً.

في بلداننا العربية لا يخلو الأمر من تدخلات السياسة في الرياضة، غير أن التدخلات تكون بغرض تغييب الشعب وإلهائه بأمور جانبية ولو لبعض الوقت.

فالمصريين كانو يستيقظون فجراً ليشاهدوا "الأهلي في اليابان"، وكان الاتحاد الإسباني لكرة القدم يقيم مباريات في ساعات الظهيرة، ليس بسبب نقص الكهرباء فيها مثلاً، وإنما لكي يتمكن الجمهور الصيني من مشاهدتها.

ومنذ بدء بطولة  كأس العالم وتحديداً في البطولتين الثانية والثالثة 1934 و1938، بدأ يظهر تداخلها الرهيب مع السياسة حيث رأى فيها موسليني إحدى الوسائل التي تظهر قوته، وهدد فريقه بالإعدام في حالة عدم الفوز، ووصل ذلك إلى الضغط على الحكام حيث أن بعض حكام مباريات إيطاليا حرموا من التحكيم نهائياً بعد البطولة مما يدل على مساعدتهم لإيطاليا.

ووصل الأمر إلى تساهل من حارس تشيكوسلوفاكيا في نهائي 193، وهو ما أظهره الحارس المجري بعد نهائي بطولة 1938 من سعادة بالمساهمة في إنقاذ إحدى عشر إنساناً.

في بلداننا العربية لا يختلف الأمر كثيراً من تدخلات السياسة في الرياضة، غير أن التدخلات تكون بغرض تغييب الشعب وإلهائه بأمور جانبية ولو لبعض الوقت، وهو ما كان جليا في عهد حسني مبارك وصرح به سمير زاهر رئيس اتحاد الكرة لفترة من الزمن خلال حكم مبارك، وأضاف أن الدعم لم يكن من مبارك وحده وإنما كان أيضاً من نجليه علاء وجمال.

وكان مبارك من مستقبلي المنتخب الفائز في بطولة 98 وحضرا في أغلب مواجهات بطولة 2006 التي أقيمت بمصر، وله كبينة خاصة في ملعب القاهرة بزجاج مضاد للرصاص.

وفي فبراير 2006 كانت بطولة أفريقيا بمصر و المصريون يتابعون تقدم منتخب مصر في البطولة فيما بعض المصريين يغرقون في مركب السلام 98 وهم عائدون إلى بلدهم.

يتعامل الحكام مع الرياضة بصفة عامة ومع كرة القدم بصفة خاصة على أنها أداة من أدوات حكمه.

ولم يختلف الأمر كثيراً في البطولة التالية التي أقيمت في غانا، حيث كان المصريون وغيرهم من العرب يتابعون البطولة كان الحصار الإسرائيلي على أشده على غزة. أحرز الفريق المصري البطولة ثلاث مرات من 2006 حتى 2010، وفي كل مرة كانت الاحتفالات تملأ الشوارع غير آبهة بغرق إخوانهم أو حصار جيرانهم.

وفي تصفيات كأس العالم 2010 كاد المنتخب المصري أن يتأهل إلى كأس العالم، واصطدم حلمه بالمنتخب الجزائري الشقيق بعد أن تعادلهما في عدد النقاط، وكان الاحتكام بمباراة أقيمت على أرض السودان وفاز الجزائريون، فخرج الإعلام المصري يتحدث عن "إرهاب الجزائريين" الذي أثر على الفريق المصري وتسبب في خسارتهم للمباراة، وسوق لذلك مجموعة من المطربين المصريين.

سمعنا بعد ذلك أن ما حدث كان مفبركاً ،وكان اتفاقاً ضمنياً بين النظامين المصري والجزائري بتأهل الجزائر، ثم صنع هذه المسرحية في مصر وشغل الرأي العام بها..
 

يتعامل الحكام مع الرياضة بصفة عامة ومع كرة القدم بصفة خاصة على أنها أداة من أدوات حكمه، في حين تتعامل جموع الشعوب مع انتصاراتها على أنها انتصارات حقيقية للوطن.



حول هذه القصة

ظلت كرة القدم في مصر هي اللعبة الشعبية الأولى التي تحظى باهتمام وتشجيع كبيرين من جماهير وجدت فيها فرصة للاستمتاع بفنون الرياضة، وفي كثير من الأحيان فرصة للهروب من واقع سياسي واقتصادي واجتماعي كثيرا ما كان مخيبا للآمال.

كتاب يبحث في مثلث الإعلام والاقتصاد والسياسة، وأي منها يؤثر أكثر من الآخر في عالم الرياضة. أسباب الاستضافة المشتركة للبطولة، ومعايير الفيفا لاختيار البلد الذي تقام لديه المسابقة.

يطفو اسم مجموعات “ألتراس” بين حين وآخر على السطح، ورغم أنها في الأصل أنشئت لتشجيع فرق رياضية، فإن لها تداخلات سياسية، ومواجهات عنيفة لا تخلو من ضحايا ودماء.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة