الجزائر أكبر من كرة القدم

خسر منتخبنا الوطني الجزائري أمام نيجيريا بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد في إطار تصفيات كأس العالم روسيا 2018. ثلاثية قد تبخر أحلام الجزائريين للوصول إلى المونديال للمرة الثالثة تواليا بعد نسختي 2010 و 2014.

في الجزائر 40 مليون مدرب، لو تجولت في شوارع المدن الجزائرية لوجدت أن كرة القدم تشكل حيزا هاما في حديث الجزائريين الذين يتعلقون بمنتخبهم ويتابعون كل أخباره لحظة بلحظة ولو كان على حساب حياتهم ومشاغلهم.

مشكلتنا كجزائريين أنهم خدعونا ليجعلونا أسرى جلد منفوخ، ينسينا المشاكل الحقيقية التي تعيشها بلادنا الجزائر.

لاعبون مغتربون يمثلون الجزء الأكبر في تركيبة المنتخب، بعد تعادل مخيب أمام الكاميرون في المباراة الأولى من التصفيات، جعلهم ينقلبون على المدرب ويطالبون برحيله، في سابقة مهينة لمدرب أجنبي نجح في قيادة غانا إلى نهائي كأس أفريقيا 2010، وربع نهائي كأس العالم في جنوب أفريقيا من السنة نفسها.

الحجج تعددت من اللاعبين، بين عدم فهم لغة المدرب وطريقته، وبين انضباطه وصرامته التي لم تعجب بعض كوادر المنتخب التي أحيلت على الاحتياط في المباراة الأولى في صورة براهيمي وفغولي، ليرحل رايفاتس مكرها وهو الذي لم يمكث مع المتخب سوى مبارتين.

كل هذا الدعم الذي يلقاه المنتخب من ممولين ومنح وعقود إشهارية وامتيازات بالجملة؛ أدخل اللاعبين -على ما أظن- في دوامة الغرور والكبرياء، وكأن هذ المنتخب ملك شخصي لهم، وراح أحد قادة الانقلاب على المدرب السابق رايفاتس، وهو سفيان فيغولي الذي راح يتفنن في انتقاد المدرب السابق والاتحادية الجزائرية والأجيال السابقة للمنتخب الوطني لجيل الثمانينيات والتسعينيات في الصحف الأجنبية، وهو الذي لا يلعب سوى دقائق مع ناديه ويست هام في الدوري الإنجليزي الممتاز.
 

مشكلتنا كجزائريين أنهم خدعونا ليجعلونا أسرى جلد منفوخ، ينسينا المشاكل الحقيقية التي تعيشها بلادنا الجزائر، والتي دخلت مرحلة التقشف، بعد أن كنا في بحبوحة مالية كانت كفيلة بتطوير حالنا وتحويله إلى الأفضل.

الجزائر التي تعاني انهيارا في جميع القطاعات، اقتصاديا وصحيا وسياحيا وغيرها. ليتنا ننتبه لواقعنا المرير الذي تشوبه الكثير من الظلمات التي تؤزم وضع المواطن وتهدد عيشه بكرامة.

ليتنا كنا نهتم لأحوالنا وتطوير واقعنا كما نهتم بتأهل المنتخب والتعصب له ليتأهل لكأس العالم. يؤسفني أيها المواطن الجزائري أن أبلغك بأنك ستعيش أزمة خانقة بداية من 2017، فاحتياطي الصرف شارف على النفاد في ظل اعتماد البلاد على البترول الذي يعد ثروة زائلة. فهل سينفعنا هذا المنتخب إن تأهل أو لا.

مشكلتنا كجزائريين أننا نفهم في كل شيء! فلو ذهبت إلى مقهى شعبي فستجد الناس يفقهون في كل المجالات، في الاقتصاد، والرياضة، والسياسة وغيرها. لا نعرف إلا كثرة الكلام فقط، نضيع أوقاتنا في الانتقادات بلا فائدة دون تغيير يذكر. إننا نحتاج إرادة حقيقية وقوية قائمة على أن يبدأ التغيير من أنفسنا لكي نحقق نتائج ملموسة نلمس صداها في المجتمع.

لو طبقت فقط نسبة 10% فقط من تسيير المنتخب في القطاعات الأخرى للمسنا بعض التغيير، ولعاد إلينا الأمل لنوقن بأن هناك عوامل مرتبطة ستساهم في التغيير، أموال ضخمة رصدت لهذا المنتخب، فليتهم اهتموا قليلا بالمجالات الأخرى لنشهد نجاحا يواكب نظيره في المنتخب الوطني.
 

الكفاءات الجزائرية تتألق خارجيا وتهمش داخليا. أتحسر على كل جزائري غادر الوطن للبحث عن غد أفضل.

حينما يخسر المنتخب؛ فإن اللاعب لا يتألم ولا يتعذب بحجم المواطن البسيط الذي يرى في الفرحة بفوز المنتخب سعادة تمنح له ولو للحظات وجيزة، عكس اللاعب الذي ينسى الخسارة سريعا، فهو يعود إلى التدرب مع ناديه ويطوي صفحة الخسارة، والمعاناة يتحمل ذنبها المناصر الوفي للمنتخب الذي تحترق أعصابه خصوصا حينما يخسر المنتخب الوطني، الذي يعد منتخب 40 مليون جزائري، وهو شرف لكل لاعب لأنه سيدافع عن الألوان الوطنية التي ضحى من أجلها مليون ونصف مليون شهيد.

لا تختزلوا الجزائر في المنتخب الوطني، كل جزائري في القطاع الذي يعمل فيه يمثل الوطن ويعمل لأجله ويخدمه، فالمعلم يبذل جهدا كبيرا في تعليم الأجيال مؤديا رسالة نبيلة وهي العلم، والطبيب الذي يداوي مرضاه مسؤول عن إتقان عمله، والكاتب أيضا بكتاباته ورواياته مسؤول أيضا عن إيصال رسالة هادفة إلى القارئ بمحتوى جذاب ومفيد، والمخترع الذي يقدم اختراعا للوطن فهو يساهم في تطوره، والصحفي الذي ينقل المعلومة للمشاهد فهو يحمل رسالة سامية لخدمة الوطن، وكل في موقعه مسؤول عن خدمة الوطن وتطوره وازدهاره.

الكفاءات الجزائرية تتألق خارجيا وتهمش داخليا. أتحسر على كل جزائري غادر الوطن للبحث عن غد أفضل، كفاءاتنا الجزائرية في مختلف التخصصات بالآلاف في شتى بقاع العالم، في كل يوم نسمع عن إنجاز يبلغ صداه العالمية هنا وهناك، ولا يجد له صيتا في أرض الوطن، أهؤلاء ليسوا جزائريين، ألا يستحقون الاهتمام والمتابعة والتشجيع كما يلقاه المنتخب الوطني لكرة القدم.

مخترعون وكتاب وعلماء وأساتذة ودكاترة وإعلاميون وغيرهم. كم هو جميل أن يتملكك الشعور بالفخر والسعادة حينما تسمع عن أولئك الجزائريين الذين يحتلون مراكز مرموقة في كبرى المؤسسات العالمية في شتى المجالات، عن خديجة بن قنة الإعلامية الرائعة من الشخصيات الملهمة والمؤثرة في العالم العربي والعالم، هذه الشخصية التي تألقت في قناة الجزيرة بشخصيتها وكفاءتها العالية ومهاراتها واحترافيتها.
 

عن إعلاميين آخرين تألقوا في كبرى القنوات التلفزيونية العربية والعالمية: فيروز زياني، وعبد القادر عياض، وعبد القادر عراضة، وعبد القادر بن خالد. عن سمير دويدي ملك التقارير الرياضية، ومحمد الوضاحي في قناة بين سبورت الرياضية. عن الطفل محمد فرج الفائز في تحدي القراءة العربي بالإمارات العربية المتحدة من بين أكثر من 4 ملايين مشترك.
 
عن الدكتور محمد دومير بطل برنامج العلوم الذي تعتبر قصته إلهاما للشباب بضرورة الاعتماد على النفس والإيمان بقدراته والتمسك بأحلامه. عن عبد القادر مليكشي المخترع الذي يعمل في وكالة ناسا الأميركية. عن توفيق مخلوفي صاحب ذهبية أولمبياد لندن 2012.
 
الجزائر لا تختزل في كرة القدم، لدينا مبدعون في كل المجالات، وتركيبة بشرية أغلبها من الشباب الذي يعتبر طاقة حيوية، آن الأوان للاستثمار فيها.

عن سليمة زعروري الجزائرية الطموحة التي تتألق في الإمارات العربية المتحدة والتي شاركت في مشروع إنشاء أكبر كتاب للسيرة النبوية والذي دون بحروف من ذهب في سلسلة غينيس العالمية. عن دنيا زاد برينيس الفتاة النموذج التي تتقن حوالي ست لغات، وتعتبر ملهمة لكثيرين بكتاباتها وتجاربها في مختلف الدول.


عن حفيظ دراجي المعلق الرياضي المعشوق من قبل الجمهور الرياضي بكلماته الشهيرة "أولالالالالالا" الذي لا يحلو للجزائريين متابعة مباريات كرة القدم إلا بتعليقه. 
عن ليلى سماتي التي أعتبرها من بين أفضل الصحفيات العربيات في مجال الرياضة، والقائمة لا تسع لأذكرهم والقائمة طويلة.
 
إن الجزائر تمتلك الكثير من المقومات التي تبشر بغد أفضل، الكفاءات الجزائرية تحقق النجاحات تلو الأخرى في شتى بقاع العالم، تستحق منا الاهتمام والعناية، فالاستثمار الحقيقي في البشر هو العنصر الأساسي الذي سينتج ويبدع، فقط إذا توفر له المناخ المناسب في بلده.
وأنا مؤمن أنه لو تم توفير الإمكانيات بمثل ما يوفر للكفاءة الجزائرية في الخارج؛ سنسرسم خارطة طريقة للنجاح والنهضة في الوطن.

الجزائر لا تختزل في كرة القدم، لدينا مبدعون في كل المجالات، وتركيبة بشرية أغلبها من الشباب الذي يعتبر طاقة حيوية آن الأوان للاستثمار فيها.

إن وطني العزيز يحتاج الأفضل، من المؤسف أن تظهر الوطنية عند كثيرين فقط حينما يلعب المنتخب الوطني، فالوطنية هي أن تقدم الأفضل من مكانك في المجتمع بشرط أن تكون منتجا وتتقن عملك وبهذا فأنت تخدم وطنك.


حول هذه القصة

بات الجزائري الدولي رياض محرز -نجم فريق ليستر سيتي حامل لقب الدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم- اللاعب العربي الوحيد الذي يتواجد ضمن قائمة المرشحين لجائزة الكرة الذهبية لعام 2016 التي تمنح لأفضل لاعب في العالم.

يخوض منتخبا الجزائر وغانا اللذان شاركا في نهائيات النسخة الأخيرة من كأس العالم 2014 في البرازيل امتحانين صعبين خارج ملعبهما أمام نيجيريا ومصر على التوالي. والخسارة ممنوعة على هذين المنتخبين لأنه في هذه الحالة سيتخلفان عن نيجيريا ومصر بفارق خمس نقاط بعد مرور جولتين فقط من أصل ست.

حافظ المنتخب النيجيري الأول لكرة القدم على صدارة المجموعة الثانية من التصفيات الأفريقية المؤهلة لمونديال روسيا 2018 بتغلبه على ضيفه الجزائري 3-1 خلال المباراة التي جمعتهما اليوم السبت ضمن المرحلة الثانية.

اتفق عدد من الصحف الجزائرية على أن حلم تأهل منتخب محاربي الصحراء إلى مونديال روسيا 2018 بات بعيد المنال، بعد الخسارة أمام مضيفهم منتخب نيجيريا (3-1) أمس السبت في الجولة الثانية من التصفيات.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة