إعادة تدوير أمة كاملة فاحذر اليأس

إن كنت من أصحاب التشاؤم فلا تقرأ هذه التدوينة، لا تصدقها ولا تكذبها، فقط كن بعيداً عنها، فلن يرد فيها تشاؤم، ولا نظرة سوداوية، ولا إحباط، لن ترى بين كلماتها يأس فابتعد عنها. حول حقيقة الحضارات وضع ابن خلدون في مقدمته أسباب نشوئها بالتالي: العوامل الطبيعية الجغرافية، الانتقال من البداوة إلى الحضر، وجود سياسة ينتظم بها أمر العمران، الثروة ودورها في الحضارة والعمران، العدل ودوره في العمران والحضارة.
 

وأوضح أيضاً أسباب انهيارها وبعضها: التغلب على الأوطان، الاستبداد بالملك وحصول الترف، الظلم مؤذن بخراب العمران. بالواقع لا أمة مستثناة من إنشاء حضارة عبر التاريخ، إن مقاييسنا لمصطلح الحضارة المرتبطة بالمفهوم الايجابي المطلق كشرط هو ربط وهمي، ليس من الضروري أن تكون الأمم مقيمة للعدل حتى تسمى أمم ذات حضارة، الفارق هنا أنها لن تستطيع الحفاظ عليها بدون قيم وليس عدم وجودها أساساً، بل إن عدم احتفاظها بالقيم سيكون أحد أسباب انهيارها "كأبسط الأسباب اللاقيم ستقودها إلى حروب مدمرة حتماً"، كل الحضارات أسست على أساس قيم ما من الصرامة والجدية بمكان، العملية ليست هزلية أبداً.
 

الحضارة هي ردة فعل للواقع المزري، كما حدث في الحضارة الغربية والتي نشأت على ركام العصور المظلمة في أوروبا.

تقاس الانجازات في فترة الزهو والقمة وليس الانهيار، لكن هنا ما موقع مرحلة الصعود حتى وصلت إلى القمة، بالواقع لو لم تمتلك الأمة معايير النهوض الحضارية فلا مجال لأن تنهض أساساً. في أغلب الأحيان تراجع حضارة أمة يواكبه نشوء حضارة أخرى تعتمد على منجزات وأخطاء الحضارة المنهارة، أخذت الحضارة العربية من غير حضارات فازدهرت، وأخذت حضارات أخرى من العرب أثناء الانهيار في العصر الأندلسي وازدهرت، وكأنها من باب التشبيه عملية تسليم لواء حضارة من أمة إلى أخرى ولو دون تنسيق، شغف التحضر هو السبب.
 

حينما تنظر من حولك ولا ترى الحضارة التي ترغب بها في واقعك، وخاصة حينما تقارن مع حضارات سابقة أو حالية، فهذا لا يعني بالمطلق عدم وجودها أو أنك لا تواكب مرحلة نشوئها دون أن تدري، فالحضارات لا تنشأ بين ليلة وضحاها ولم تفصّل لتكون لأجلك فقط حتى ترتقبها وتعيشها، الحضارات تنشأ عن خبرات الخطأ التراكمية، الضياع، الفساد، الظلم، وكل المعاني السلبية، كل هذا يصنع المادة الخام للحضارة بهدف تغيير الواقع.
 

الحضارة هي وجبة الطعام اللذيذة والمفيدة لجسد الأمة، لكنها طبخت من مستحضرات سيئة الطعم ومُرًة للغاية. الحضارة هي ردة فعل للواقع المزري، كما حدث في الحضارة الغربية والتي نشأت على ركام العصور المظلمة في أوروبا، والحضارة العربية التي نشأت بعد مئات السنوات من الظلم والحروب والمجون والظلم والاستعباد، حروب راح ضحيتها آلاف البشر بسبب سباق بين خيلين، ألا تنقذها الحضارة؟
 

الخطأ المرتكب الآن والذي يسبب النظرة التشاؤمية الخاطئة بين كل شرائح المجتمعات العربية هي أننا لا نميز بين مرحلة الصعود والهبوط إذ كلاهما نظرياً متشابهان في المواصفات والنتائج الآنية، ظلم وفساد وجهل وقتل ودماء ودمار يواكبها وجود جوانب غاية في الحضارة كالعمران الذي يركز عليه ابن خلدون، كلا المرحلتين من الهبوط والصعود في انحدار الحضارات أو تأسيسها -أو إعادة إنشائها كما الواقع العربي الحالي- متشابهان بنظرة سطحية لكن المحددات مختلفة، نحن فقدنا الحضارة منذ مئات السنوات فكيف لنا أن نظن أننا لازلنا نفقدها؟!

الجالس على الأرض لا يسقط، ومرحلة الحضيض بلغناها وعشناها سابقاً، لكن في سلم الحضارات لا يوجد شيء تحت الانهيار إلا الزوال -كحضارة مملكة المايا-، وبهذا نحن في مرحلة النشوء الجديد وليس الانهيار وبمعنى آخر في مرحلة إعادة التدوير بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، لأنه كان لدينا سابقة حضارية لأكثر من مرة، والحالة المزرية التي وصلنا لها تحتاج إعادة تدوير لفرز العناصر السيئة واستبعادها بالمطلق.
 

إن كل ما نراه من السلبيات هي ليست إلا محفزات إعادة تأسيس الحضارة. لدينا من المعوقات ما لا طاقة لنا به كأفراد مشتتين، لكننا كنظم لا نختلف عن غيرنا بشيء بل وربما لدينا من المحفزات أكثر مما لدى الغير "صدق أو لا تصدق".

في كتاب "الساعة الخامسة والعشرون" يقول المؤلف: سيشرق هذا النور العظيم من الشرق وليس من الغرب، من آسيا وليس من روسيا، إن الروس قد انحنوا خاضعين إلى نور الغرب الكهربائي. هذه المقولة كانت من القرن العشرين والذي كان الغرب فيها متقدماً بمراحل على الشرق في سلم الحضارة، ومرجعية الكاتب هنا أن الشرق له جانب روحي إبداعي لا يتمتع به الغرب كاملاً، الشرقيون يبلغون الحضارة دون إهمال الجانب الإنساني والعقائدي، الغربي مادي صرف.
 

أنجز باحث عربي تجربة في الإبداع والاختراع بأحد صحاري العرب في إفريقيا وحقق نتائج أبهرت منظمات الاختراع في أوروبا، أسس السعوديون برنامج كن مخترعاً فنجحوا نجاحاً ملفتاً، أسس السوريون علم الاختراع والتطوير كعلم متكامل الأسس والمناهج والمنهجية وأطلعوا منظمات الغرب عليه، تمتلك الأردن قاعدة أكاديمية لا يستهان بها، مصر طاقة بشرية علمية هائلة، تونس بلد مثقف جداً، المشاريع العلمية المكلفة في الخليج العربي مشاريع رائدة ستؤتي أكلها حتماً لما لديها من أساس علمي مدروس كونهم استفادوا من تجارب وخبرات الغرب الرائدة، حقق الكثير من العرب بكل جنسياتهم إنجازات تاريخية في بلاد الغرب.
 

الفارق هو الإصرار والطموح وليس العرق أو الدين أو لون البشرة، نحن نعاني مشكلة الجهود الفردية -حتى الآن- أكثر من كونها جماعية، كفانا التفكير بإحباط أن الغرب لا يريدنا أن نتطور ويرتعب من تطورنا، إن صح هذا التصور فهو حجة علينا لا لنا، كان لدينا فترة أكثر من كافية للبحث عن بدائل ومخارج وعدم التفكير بانهزامية النعجة أمام الذئب.
 

تراجع التطوير سيخلق شريحة تبحث وتفكر وتنجز، مفاهيم الدين التي تم التلاعب بها ستحفز باحثين لإيقاف التلاعب، الجهل سيخلق شرائح تحاربه بالعلم.

اليابان أولى منا بهذه المعاداة ولم يستطع الغرب ايقاف تقدمها، وكذلك الصين، وتايوان، لا أحد يمنعك أن تبني حضارة إن كنت فعلاً تريد بنائها فلنتخلص من "البعبع الكاذب" الذي يعيش في صدورنا. نحن في مرحلة العصف الذهني لاكتشاف أخطائنا المتراكمة عبر مئات السنوات، نعيش مرحلة الصحوة لكن ببطيء، والبطيء لا يعني عدم وجود الصحوة، والأحداث العظام في آخر سنوات سبب رئيسي في صحوة متسارعة.
 

مقدار الظلم والفساد والدماء والدمار الذي نراه هو القاعدة لهذه الحضارة والتي قد لا يشهدها جيلنا الحالي أبداً، ولا حتى الجيل التالي، تأسيس الحضارة مهمة موكلة إلى كل منا بدوره ومكانته وبأمانة لكن هذا لا يعني أن نقطف ثمارها وإن فكرنا بقطف الثمار فنحن أكثر الخلق أنانية وسطحية وسنكون من المعوقات المذكورة سابقاً أو بأحسن الحالات لبنة سيدوسها البناؤون للحضارة ولن نكون الصاعدون ولا البناؤون البتة.
 

تراجع التطوير سيخلق شريحة تبحث وتفكر وتنجز، مفاهيم الدين التي تم التلاعب بها ستحفز باحثين لإيقاف التلاعب، الجهل سيخلق شرائح تحاربه بالعلم، التبعية ستخلق محفزات القيادة. التناقض والخلاف الحاد -الذي وصل أحياناً للاقتتال الفعلي- لما يجري في المنطقة هو ناتج طبيعي لتراكمات سلبية سابقة وعاصف ذهني جبار للتغير البنّاء. فلنتذكر الحقيقة المعبرة "الأمة التي لا تُقبل على الحضارة بملاطفات السعي الدؤوب سيقت إليها مرغمة بسلاسل الامتحان والعوز وربما الدمار والخراب حتى تصحو.. وحتماً ستصحو ولو بعد حين".



حول هذه القصة

يدعو مؤلف هذا الكتاب بلاده “إسبانيا” إلى القيام بدور أكبر، في إطار “تحالف الحضارات”، وإلى استعادة “هويتها الغائبة”، وهي الهوية المشتركة بين الحضارتين الإسلامية والغربية اللتين التقتا زمنا على أرضها.

تعتبر تجربة الهند النهضوية إحدى التجارب الناجحة في العالم الثالث، حيث نجحت في المزج بين الخصوصية المجتمعية والانفتاح على الحضارات الأخرى والأخذ منها، مما خلق تجربة تنموية لها طابعها الخاص.

مدينة القدس أشبه بمتحف مفتوح تركت كل الحضارات السابقة آثارها على تلالها وفي أوديتها، وهو ما يحاول الاحتلال طمسه وتزوير معالم المدينة وتهويد آثارها وأسمائها، من أجل تزييف هويتها.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة