أريد موضوعا لأكتب حوله

يقول أحدهم أن الكتابة فائض معنوي، معرفي أو وصفي، بمعنى أنك لن تحسن التدوين إن كنت تفعل ذلك في رهان مع الزمن، ما قيمة ما نكتبه إن لم يكن وليد رغبة مشتعلة وضرورة ملحة وصدق حقيقي نابع من أعماقك.
 

يقول رسول حمزاتوف في رائعته بلدي "الأفكار والعواطف تأتي كالضيف في الجبال، دون دعوة ودون إنذار، لا مجال للاختفاء ولا للتهرب منها ومنه".
 

أعود للنظر فيما كتبته مؤخرا، أجدني أغرق في التنوّع من موضوع إلى آخر، صحيح إني كثيرا ما أحتجب في عذل لنفسي لكني أعود من جديد راغمة القلم على الكتابة حول أي شيء، أي شيء، أفعل ذلك كمحاولة لإثبات وجودي وسط ذبول عام.
 

على كل شخص سأل نفسه ذات مرة "أريد موضوعا لأكتب حوله" أن يقرأ كتاب "بلدي"، بلدي تأديب لمن تمرّد على قدسية الكتابة.

حمزاتوف هنا يعترض "الذين يقفزون من موضوع إلى آخر يشبهون مزواجًا معروفًا في الجبال اسمه دالاغولوف، تمكّن صاحبنا هذا من أن يتزوج ثماني مرّات، لكنه بقيَ في النهاية بدون زوجة".
 

"أريد موضوعا لأكتب حوله" هل مرّ بكم هذا السؤال من قبل؟ هل سمعتموه من أحد أصدقائكم؟ بل هل خالجكم أنتم أثناء تمرير أصابعكم على واجهة الشبكات الاجتماعية؟ لماذا ندوّن وننشر التغريدات والأفكار؟ أهي رغبة في البقاء والخلود؟ دوام للظهور؟ حب للمشاركة؟ أعرف صدق الحاجة، لكن أي كارثة تلك لو كنّا ندون فقط خوفا من أن نصبح نكرات إلكترونية، رسول حمزاتوف ينصح شابا مستجدا فيقول: لا تقل: أعطني موضوعاً بل قل: أعطني عينين"!
 

إن ابتذال النصوص هو أسوأ ما يحدث اليوم، تشعر وكأن الفعل غدى حِرفة أو صَنعة، حشو كثيف للمعلومات دون بناء للتصورات، الروايات مثلًا تكتب على عجل حسب سوق العرض والطلب، هناك كاتب ينشر ٤ روايات في العام، الرواية أشبه بالولادة الصعبة أي إنسان قادر على تحمل المخاض بهذا التتابع السريع؟
 

بل وحتى الشعر الذي لطالما وصف بالوحي، لم يسلم كذلك من الأمر، تعثّرت قبل أيام على حساب في تويتر يبيع أبيات القصائد حسب المشتري، "لكن الشعر يأتي على غير توقّع، كهديّة، فملكوت الشاعر لا يخضع للمشاريع المحكمة" هل أصبح لأبيات الشعر مقاولين؟
 

"لا يُمكن للإنسان أن يخطط لنفسه فيقول: في الساعة العاشرة من صباح هذا اليوم سأحب الفتاة التي سألقاها في الطريق. أو غداً في حوالي الساعة الخامسة مساءً سأُبغض سافلاً مّا. وأبيات الشعر لا تُشبه أزهاراً في منبت ورد أو في حوض زهر، فهي هناك كلها أمامك، ولا حاجة بك إلى البحث، بل تشبه زهوراً في حقل، في مرج في جبال الألب، حيث كل خطوة تعدك بزهرة جديدة، أكثر روعة. إنَّ المشاعر تولد الموسيقى، والموسيقى تولد المشاعر".
 

رسول حمزاتوف في كتابه بلدي كان يقدم منجما لا ينتهي من الحكمة، كتب حول داغستان وقريته تسادا بشجن وخفة وبراعة، إلا أن ما شملته السطور أكبر من حدود الجغرافيا، يحفل نصه بدروس صعبة حول معنى أن تكتب، لماذا وكيف ومتى وأين؟ كان يرى أن الكتاب والكتابة هما الكنزان اللذان نسى أن يعطينا إياهما من وزّع اللغات، وعلى كل شخص سأل نفسه ذات مرة "أريد موضوعا لأكتب حوله" أن يقرأ بلدي، بلدي تأديب لمن تمرّد على قدسية الكتابة.



حول هذه القصة

هل الكتابة الأدبية رغبة أم إمكانية؟ رغم البداهة الصريحة في التساؤل فإنّ فيض الإصدارات الأدبية، خاصة في الرواية، يملي طرح البديهيات والنوافل، ويجعل التوقّف معها أمراً لازماً لا بدّ منه.

السخرية في الأدب لها تاريخ قديم، وكان الشعراء قديما يسخرون من زملائهم ومن مفردات مجتمعهم وحتى من أنفسهم أحيانا، وتبقى الأبيات الشعرية الساخرة في الأذهان أكثر من بقاء الأبيات الجادة.

في الكتابة عن أيّ جنس أدبي يبدو لي أن النص النثري الأجمل هو ذاك المكتوب من غير المشتغل في حقل الجنس نفسه، كأن يكتب روائيّ عن القصة القصيرة.

ظاهرة غياب الرعاية والتشجيع للكتاب الناشئين تجعلنا نشعر بالحزن, كما نشعر بحرقة الكتابة ولوعتها, فهي ظاهرة خطيرة، وهي إن لم تقتل أو تصب بمرض, فإنها تحبط الطامحين من أصحاب المواهب.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة