شعار قسم مدونات

ماما أمريكا.. هل ستتركينا؟

blogs-أمريكا

خلال الأيام القليلة الماضية وبالتزامن مع الانتخابات الأمريكية قرأت أطروحات وآراء مختلفة في مواقع التواصل الاجتماعي حول موقفنا كعرب من عواقب اختيار الشعب الأمريكي، ومن أكثر الأطروحات انتشارًا وترحيبًا هي تلك التي تدور حول فكرة أن تتركنا أمريكا لوحدنا، من غير أن تتدخل في شؤوننا وليختاروا أيًا كان بعيدًا عنا.

تعقيدات الانسحاب الأمريكي من محيطنا لا تتعلق بالقرار الأمريكي فقط، بل ثمة أمور أخرى قد لا نلقي لها بالًا إلا حال وقوعها.

الحقيقة أن الفكرة في ظاهرها مثالية، لو أنها من غير تداعيات مباشرة وأخرى جانبية، وبالمناسبة فترامب نفسه يدعم هذا التوجه، لكن ما لم يدركه البعض أن مسألة انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من منطقة الشرق الأوسط ليست بتلك البساطة التي نغرّد بها في وسائل التواصل الاجتماعي.

تعقيدات الانسحاب الأمريكي من محيطنا لا تتعلق بالقرار الأمريكي فقط، بل ثمة أمور أخرى قد لا نلقي لها بالًا إلا حال وقوعها. فصعوبة الخطوة لا تنحصر في عقلية الهيمنة الأمريكية وحجم الصعوبة التي يجب أن تُبذل لإقناع الولايات المتحدة الأمريكية في الاكتفاء بولاياتها الداخلية، وأن تترك العالم يعيش بحرية وسعادة. عملية الانسحاب الأمريكي من منطقتنا هي عملية مكلفة، وسيدفع ثمنها كل طرف من أفراد وشعوب وأنظمة ودول.

يحضرني مثال قد يُسهّل فهم الإشكال، فلنتخيل وجود فيل متطفل وضخم كبير داخل غرفة في بيت صغير، وقررت العائلة المالكة للبيت أن تثور بإرادتها على الفيل وتطرده خارج المنزل، لكن هذه العملية مكلفة للعائلة ومضرة بالفيل نفسه – حتى ولو رضي بالقرار أو كان هو صاحبه – وتسبب الضرر للبيت وجدرانه وأهله.

والجواب على سؤال كيف دخل الفيل، يختصر في حالتين، الحالة الأولى أن الفيل دخل صغيرًا وكبر داخل الغرفة، أو أن الفيل موجود على بقعة الأرض قبل بناء البيت. في الحالة الأولى يمثل الفيل المستعمر الذي دخل خلسة أو بنوايا صوّرت على أنها طيبة، وفي الحالة الثانية وجود المستعمر قبل بناء أنظمتنا التي بُنيت بعد تقسيم بلادنا، وأمريكا لو تأملنا هي وريثة المملكة المتحدة في الهيمنة والسيطرة، مع قليل من الاختلافات والإضافات وتطور الوسائل بطبيعة الحال.

رحيل أمريكا عنّا شبيه بثورات الربيع العربي إلى حد كبير، تلك الثورات التي ما كانت وردية إلا في بداياتها، سرعان ما رأينا حقيقة التغيير والضربات المضادة لكل آمالنا وأحلامنا. لا أعرف إن كانت أنظمتنا وحتى شعوبنا على استعداد لثورة من نوع جديد في ظل الاضطرابات والتفرقات والنزاعات الآنية.

ماما أمريكا، لأنها دخلت وتدخلت وأدخلناها بكل ما يعنينا، فأصبحت مثل الأم في معرفتها بولدها وأصبحت أنظمتنا التائهة كالطفل تعلقًا بأمه، وعلى مستوى الشعوب فقد أدمنا أمريكا من خلال الإدمان على منتجاتها الثقافية المتمثلة بالأفلام والمسلسلات وحتى طرق التغذية والأكل السريع، وإدمان اقتصادي وتكنولوجي متمثل بالعيش في كنف منتجات الشركات الأمريكية.

يظن البعض أن الولايات المتحدة الأمريكية تستغل الخليج وتسحب نفطه بالمجان، وأن علاقة الخليج بأمريكا هي علاقة منفعة لطرف واحد، ويصل البعض لآستنتاجات غريبية وبعيدة عن الواقع والتاريخ. فمصلحة الخليج وحاجته لها قد تكون أضعاف أضعاف ما تحتاجه أمريكا من دول الخليج، واستحضر الناس مصلحة أمريكا وأدركوها لأنها مادية جلية، وغاب عن الغالبية أن ثمة مصلحة عسكرية سيادية لدول الخليج من وجود أمريكا في الخليج.

إن بقاء وصمود هذه الأنظمة متعلق تاريخيًا بوجود قبيلة كبيرة تدافع عن مصالح القبائل الصغرى، وقامت بريطانيا بهذا الدور في مرحلة سابقة، والآن تقوم به أمريكا، فهي مسألة وجود بالنسبة لهذه الأنظمة، فالخطر الشرقي من الخليج يتعاظم طوال الوقت، ووجود قوة أمريكية دائمًا ما تكون رادعة للأطماع الإيرانية في التوغل نحو الخليج العربي والسيطرة عليه.

الشرق الأوسط منطقة حيوية وتربط الشرق مع الغرب، وانسحاب أمريكا من المنطقة لا يعني أننا سنتحرر، بل هذا نذير بفراغ ولقمة سائغة للقوى المتربصة فينا، وأكبر دليل على ذلك هو التدخل الروسي السافر في سوريا. لذلك من يحلم بشرق أوسطي نظيف لا يكون بتمني انسحاب أمريكا، بل يكون بالعمل على بناء حصن منيعة وأنظمة قوية لها سيادتها ولا تسمح لكل مريض نفس مستعمر أن يفكر في غزونا.

نهضتنا تكون بمشروع نقوده نحن، بحدود نحصنها بقناعاتنا واستثمارنا لمواردنا بدلًا من الدعاء على أمريكا تارة وعلى روسيا تارة أخرى.

انكماش الولايات المتحدة الأمريكية على نفسها سيولّد حالة إقتصادية، ربما تكون أزمة جديدة بسبب سيطرة الدولار وسطوته في العالم، كذلك لا يمكن إغفال حقيقة المعونات الأمريكية التي تمد من عمر بعض الأنظمة المتهالكة التي تحيى على الدعم والمعونات الخارجية.

في نهاية التدوينة، يلزمني أن أنوّه لما كان يجب أن أذكر في البداية، لكنّي فضلّت الاحتفاظ به وإرفاقه في آخر الأسطر. ما قمت به هو إثارة أسئلة جدلية حول أمنية كلنا نتمنى حصولها، لكن الهدف كان التفكير بعقلانية وواقعية وموضوعية ونقد الشعارات البرّاقة والكلمات الشاعرية.

كذلك التشديد على أن حريتنا ونهضتنا لن تكون بانسحاب أمريكا أو تفككها وانهيارها، فعبر الزمان تتبدل أدوار الامبراطوريات العظمى، وفي مرحلة قادمة قد يكون مستعمرنا صاحب هوية مختلفة، لكن نهضتنا تكون بمشروع نقوده نحن، بحدود نحصنها بقناعاتنا واستثمارنا لمواردنا بدلًا من الدعاء على أمريكا تارة وعلى روسيا تارة أخرى.

مثال الخليج بالذات لا أقصد منه أنني مع الوجود الأمريكي، ولعل فكرتي توضحت خلال هذه الفقرة، قصدي الإشارة لحقيقة واقع نغفل عنه في تحليلاتنا السطحية، وهذه الإضافة لمن لم يفهم مرادي وحجة على من لا يريد فهم كلماتي. ويبقى السؤال المطروح، ماما أمريكا.. هل ستتركينا؟.