كلام الناس مشانق

تسألني محدثتي عما يُقدّس ويُحسب له ألف حساب في مجتمعاتنا العربية، ابتسمت وأجبت: كلام الناس، أتدرين يا صديقتي أن الواحد منا في المجتمع العربي قبل أن يلبس ملابسه يفكر ألف مرة في حكم الناس عليه من خلال هذه الملابس، لا نرتدي الملابس التي نرتاح لها والموافية للشروط الإسلامية من نظافة وحسن هندام. لا! فنحن نرتدي ما سيعجب الناس ونخاف تعليقات الناس السلبية، ونتعطش أن نرى إعجابا بملابسنا في عيون الآخرين.

تسألني: غريب! ولمَ كل هذا الاهتمام بالآخر، أليس حريًّا بنا أن نثق بأنفسنا وبذوقنا؟ أجيبها: نعم! لكن المشكل أكبر من هذا كله، هو تربيتنا هي التي أثمرت كل هذا، فأغلب أطفال العرب تربوا على الخوف من كلام الناس، فالطفل في الحضانة تقول له أمه لا تذهب بهذه الملابس سيضحك عليك الآخرون. فحرّي بها أن تقول له إنها ليست متناسقة، إنها لا تليق بك.
 

ما الذي سيجعل الواحد منا لا يأبه لمثل تلك التفاصيل التافهة وللكلام التافه والعادات البئيسة؟

لو كان الموضوع منحصرا في الملابس لقل ضرره، لكنه متضخم أكثر مما تتصورين، فالكل بات خائفا متوجسا من كلام الناس، قد تجدين عائلة تنهر البنت أن لا تقرأ وتحلل كثيرا، فهذا سيظهرها بمظهر ليس جيدا في المجتمع.

يقولون لها سيقولون عنك فهيمة أو سليطة اللسان وهذا سيقلل من حظوظك في الزواج. سيجبرونها على الزواج من أول شخص يطرق باب بيتهم خوفا من أن تكبر فتقل فرصها في الزواج فيراها المجتمع عانسا، حتى ولو كانت في العشرينيات من عمرها.

في مجتمعاتنا سيدتي قد يختار الرجل زوجته فقط لأن عائلته وأصدقاءه سيقولون عنها جميلة ورزينة، لا لأنه فقط أعجب بدينها وحكمتها أو أعجب بشخصيتها ومرحها.

في مجتمعاتنا قد تقبل الفتاة بشخص ما فقط لأنه ذو مركز مرموق وستفتخر به أمام الناس، وسيقولون فلانة حظها وفير؛ لكنها في الواقع، المسكينة تزوجت فقط ليقولوا كذا وكذا والواقع لا هو كذا ولا كذا.

أغلب الناس يدرسون تخصصا معينا ليقال لهم يا لذكائكم ويا لحسن اختياركم! يشتغلون في مجال معين ليقال عنهم يا لحكمتكم وكفاءتكم! ويستقيلون خوفا من أن يقال عنهم شيء ما. يمشون بين المشانق فقط ليرضوا أذواق الناس وليتماشى كلام الناس وهواهم.

هكذا نحن العرب نهتم للناس أكثر من اهتمامنا بأنفسنا، وذلك ناتج أيضا عن قلة وعينا وقلة زادنا المعرفي. قد يحمل الواحد منا فكرا راقيا لكن فعله قد يكون منافيا لذاك الفكر، للأسف هكذا نحيا، يحاولون تلقيننا كلمات وأساليب ليجعلوننا أكثر ثقة بأنفسنا وفي اللحظة نفسها يسقطوننا قتلى بعد فقدان الثقة بالنفس. إذاً التفكير لن يستطيع جعلنا نغير تضررنا واهتمامنا بكلام الناس ونظرة الناس إلينا.
 

وعي أي إنسان وتربيته وثقل شخصيته يدفع عنه تفاهة الاهتمام بالقيل والقال ونظرة مجتمع مليء ببعض العادات التي تضر أكثر مما تنفع

تسألني محدثتي: وما الذي سيجعل الواحد منا لا يأبه لمثل تلك التفاصيل التافهة وللكلام التافه والعادات البئيسة؟ أجبتها: الوعي يا صديقتي! أن يستوعب الإنسان ما يدور حوله ويتفاعل معه بالطريقة الصائبة والحكمة المطلوبة. إذاً فالإنسان يدخل في دائرة الوعي حينما يدرك ما يفعل، ويخرج منها متى لم يتوفر هذا الشرط الرئيسي.

وفي نظري هناك أسباب عديدة تجعل الناس خارج دائرة الوعي، من بينها الجهل. وليس الجهل هو الأمية، فقد تكون تلميذا أو طالبا لكنك تنعم في دنيا الجهل، لأنك بكل بساطة غير مدرك لما تفعل، ويمكن اعتبار الثقافة جزءا من الوعي، فالثقافة تطور قدراتنا وتحول الحياة من النمط العادي الممل إلى حياة تبعث في نفسها الحياة. وأيضا إلى إنسان حر لا يهمه ما قيل وما يقال.

تسألني محدثتي: لكن هل الثقافة وحدها تكفي من أجل أن نكون واعين؟ 
قلت: لا! فكم من مثقف له مبادئ شاذة أو له مواقف غير مسؤولة، لذا فالثقافة وحدها لا تجعلك إنسانا واعيا، فالمبادئ والأخلاقيات أيضا تلعب دورا مهما في تسيير وتنظيم فكرنا ووعينا كي نرقى في الفكر والفعل، وحينما نتكلم عن الأخلاقيات والمبادئ فبشكل تلقائي نجدنا أمام تربية الفرد لأنها مفتاح كثير من أبواب النجاح في الحياة، فالتربية الحسنة إذا هي أخلاق وقيم تسمو بنا وتدفع بنا في سلم الوعي.

وبهذا يا صديقتي فوعي أي إنسان وتربيته وثقل شخصيته يدفع عنه تفاهة الاهتمام بالقيل والقال ونظرة مجتمع مليء ببعض العادات التي تضر أكثر مما تنفع.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه مستعد للقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس وإجراء محادثات مباشرة معه في أي وقت ومكان، لكن "دون شروط مسبقة".

الأكثر قراءة