فضل تعويم الجنيه في الإسلام

blogs- الفقر
ربما يكون هذا العنوان الساخر هو موضوع خطبة الجمعة في ظل دولة توظف الدين في خدمة السياسة، ولاشك أننا نؤمن كمسلمين أن الدين الإسلامي يتصف بالشمول والكمال، وأن السياسة فرع من فروع الحياة التي لم يغفلها الإسلام، وأن بعض النصوص الشرعية يمكن الاستفادة منها في معالجة المشكلات السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلد، ومنها مشكلة الغلاء الفاحش الذي أعقب تعويم الجنيه المصري.
 

يستدعي رجال الدين وأتباعهم المحسوبون على خط السلطة الحاكمة جملة من النصوص الشرعية التي تعالج الموضوع بوجوب الصبر على الغلاء باعتبار أن المسعر القابض الباسط هو الله، ويلزم ذلك أن الاعتراض على الغلاء وعدم الصبر عليه هو اعتراض على أمر الله وقدره، وهذا موجب لسخط الله وعقوبته، فتراهم يستشهدون بقول النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق".
 

المغالطة تكمن في المنهج العام القائم على عملية استدعاء النص الشرعي الذي يمكن توظيفه ظاهريا في خدمة السلطة القائمة، وإغفال باقي النصوص الشرعية التي لا تفيد في هذا الجانب

وبجملة من الآثار المنقولة عن السلف بترك الاعتراض على الغلاء وتوكيل الأمر لله تعالى، من مثل ذلك الأعرابي الذي قيل له إن رغيف الخبز قد أصبح بدينار، فأجاب: والله لا أبالي إن أصبحت حبة القمح بدينار، فإن الذي رزقني في الرخص يرزقني في الغلاء. وبمثل قول أحد السلف حين شكى له الناس غلاء الأسعار، قال: أرخصوها بالاستغفار. في الحقيقة إن الاستشهاد بهذه النصوص على وجوب الصبر على الغلاء، والتوجه إلى الله بطلب رفعه، واجتناب مساءلة الحكام عن ذلك والتي وإن كانت -أي النصوص- تدل في ظاهرها أن أمر الغلاء بيد الله فيه مغالطتان:
 

الأولى: تكمن في المنهج العام القائم على عملية استدعاء النص الشرعي الذي يمكن توظيفه ظاهريا في خدمة السلطة القائمة، وإغفال باقي النصوص الشرعية التي لا تفيد في هذا الجانب، بل قد تأمر بنقيضه كتحريم السكوت على الباطل، ووجوب مقاومة الظلم، فهو منهج انتقائي توظيفي للنصوص لا يقبله الإسلام، أي من قبيل "أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض". فالإسلام كل متكامل، لا يصح الاستناد عليه في بعض المسائل وإغفال بعض.
 

والمسائل التي أغفلها وتجاوزها شرعيو النظام كثيرة: منها النصوص الشرعية في بيان الوجه الشرعي لتولي السلطة، وحكم تولي الحاكم السلطة بغير ما أذنت به النصوص. والنصوص التي تعظم حرمة الدماء وتبين عظم جرم الاعتداء عليها. والنصوص التي تجرم حبس المسلم بغير حق، وعقوبة ذلك عند الله. والنصوص التي تأمر بأداء الأمانة، وتحرم على الحاكم أن يولي أحدا وهو يجد من هو أقدر منه على القيام بهذه الولاية.
 

والمغالطة الثانية: تكمن في أن معالجة المسألة الجزئية لا تكون باستدعاء بعض النصوص الفرعية في المسألة، بل لا بد من جمع جميع النصوص الواردة في المسألة حتى يتمكن من الوصول إلى حكم شرعي، فالحكم لا يؤخذ من نص واحد أو من بضع نصوص، بل من مجموع النصوص في المسألة، والنصوص التي تنظم الأمور المالية كثيرة والتي تبين أن سبب الغلاء ليس الأمر الإلهي التكويني فحسب، كانقطاع المطر، أو حصول كارثة طبيعية كزلزال او بركان أو إعصار وما أشبه، والذي واجبنا أن نرفع أكف الضراعة إلى الله تعالى برفعه، بل من أسباب الغلاء أحكام تكليفية أمر الله بها وأعرض عنها المكلف.
 

والواجب تجاه هذه الأسباب إعمال النصوص التي تواجهها، ومنها تحريم دفع المال بغير وجه حق، فهذا أبو بكر رضي الله عنه تعالى يقول: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله على المسلمين، والتي أمر الله بها عباده، فمن سألها على وجهها.. فليعطها، ومن سأل فوقها.. فلا يعطه. أين هذا من الضرائب والمكوس والجمارك والمخصصات التي لا يعرف عنها الداني قبل القاصي، فالإعراض عن هذا الحكم التكليفي الواقع تحت قدرة المكلف يتسبب بالغلاء، فهذا من باب: بما كسبت أيديكم، ولا يستدعى له النص: إن الله هو المسعر القابض الباسط، بل: ومن سأل فوق الزكاة فلا يعط.
 

كل دعوة تحبب الفقر إلى الناس، أو ترضيهم بالدون من المعيشة، أو تقنعهم بالهون في الحياة، أو تصبرهم على قبول البخس، والرضا بالدنيا فهى دعوة فاجرة

والنص الآمر بمقاتلة من أراد أخذ مال لا يحق له ظلما "من قتل دون ماله فهو شهيد". فضلا عن النصوص العامة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. ومن النصوص التي يغفل ذكرها مشايخ السلطان سيرة عمر بن الخطاب في وجوب إعطاء الناس حقهم في مال الدولة وإن ترفهوا فيه، فقد قدم خالد بن عرفطة العذري على عمر فسأله عما وراءه فقال "يا أمير المؤمنين تركت من ورائي يسألون الله أن يزيد في عمرك من أعمارهم، ما وطيء أحد القادسية إلا عطاؤه ألفان أو خمس عشرة مائة، وما من مولود يولد إلا ألحق على مائة وجريبين كل شهر ذكرا كان أو أنثى، وما يبلغ لنا ذكر إلا ألحق على خمسمائة أو ستمائة. فإذا خرج هذا لأهل بيت منهم من يأكل الطعام ومنهم من لا يأكل الطعام. فما ظنك به؟ فإنه لينفقه فيما ينبغي وفيما لا ينبغي. قال عمر: فالله المستعان إنما هو حقهم أعطوه وأنا أسعد بأدائه إليهم منهم بأخذه" فهذا عمر بن الخطاب يأمر الولاة بإعطاء الناس حقوقهم من المال وإن ترفهوا فيه، وأنفقوه فيما ينبغي وما لا ينبغي، فهو حقهم.
 

وقد كتب عمر إلى حذيفة أن أعط الناس أعطيتهم وأرزاقهم. فكتب إليه: إنا قد فعلنا وبقي شيء كثير. فكتب إليه عمر إنه فيؤهم الذي أفاء الله عليهم. ليس هو لعمر ولا لآل عمر. اقسمه بينهم. فضلا عن سيرة عمر بن عبد العزيز في اقتصاده الشديد في نفقته من بيت المال، وفي أخذه المال من حقه ووضعه في حقه حتى اغتنى الناس، وحتى غدا عامله ينادي على المال في الطرقات فلا يأخذه أحد.
 

إن توظيف النصوص الشرعية في خدمة السلطان وفق منهج "نؤمن ببعض ونكفر ببعض" ومنهج "تنزيل النص في غير محله " يسيئ إلى الإسلام إساءة بالغة، بحيث تغدو نصوص الشريعة أداة في يد الظلمة والمفسدين يتكسبون بها شرعيتهم، ويرفعونها سيفا مصلتا على رقاب الآلاف الكادحة الجائعة، وما أجمل عبارة الشيخ الغزالي حين عرى هذا التوظيف المشبوه للنصوص، والتي تقول: كل دعوة تحبب الفقر إلى الناس، أو ترضيهم بالدون من المعيشة، أو تقنعهم بالهون في الحياة، أو تصبرهم على قبول البخس، والرضا بالدنيا فهى دعوة فاجرة، يراد بها التمكين للظلم الاجتماعي، وإرهاق الجماهير الكادحة في خدمة فرد أو أفراد. وهي -قبل ذلك كله- كذب على الإسلام، وافتراء على الله.