شعار قسم مدونات

عن الخلاص الفردي والخلاص الجماعي

blogs - man
تعد رواية الطاعون لألبير كامو واحدة من أكثر رواياته تناولا وانهماكاً في الشأن العام، وهو يستخدم هنا لفظة "الطاعون" للتعبير عن العبث الذي يلف الوجود الإنساني، والموت الذي يترصد الجميع أفراداً وجماعات على حدٍ سواء، لكنه الموت الذي لا يمكن التنبؤ به ولا معرفة مصدره أيضاً.

بدأ كامو بكتابة الرواية أثناء مكوثه في جنوب فرنسا إبان الاحتلال النازي لها قبل أن يكملها في مدينة وهران الجزائرية -وهي المدينة التي تجري بها أحداث الرواية-، وهنا يستعير لفظة الطاعون للدلالة على الاحتلال النازي والموت الذي بثته هذه الأيديولوجيا النازية في جسد هذا العالم، إلا أن هذه الاستعارة كانت محط انتقاد واسع من النقاد والمحللين، فأن يعامل كاتب النازية بوصفها شراً مُبهم لا مصدر له، عوض أن تكون نتيجة لممارسات وخطابات قصدية قامت بانتاجها السلطة النازية، نُظر إليه على أنه شكل من تبرئة هذه السلطة من مسؤوليتها تجاه أفعالها.

تمثّل شخصيات رواية  الطاعون الطرق المختلفة التي تواجه كل من عبثية الحياة والتعاضد المجتمعي.

لكن هدف كامو لم يكن التنقيب عن مصدر لهذا الشر المبهم المتمثل بالطاعون، بل كان استقراءً للطريقة التي يواجه فيها الناس عبث الموت الفتاك الذي بات يكتنف الوجود الانساني، هذا الوباء الذي رادع له ولا علاج. إنّه عصي على التفسير حتى، فالطاعون ينتشر بسرعة جنونية، بالإضافة إلى أنه مُهلِك في ذاته. هنا يحدد كامو ردات الفعل الممكنة تجاه هذا الوباء المدمر: هل يجدر بالمرء محاربته، حتى وإن لم يكن ليس ثمة أمل بالخلاص والنجاة؟ أم الهرب ومحاولة تجنبه؟ أم الانتفاع منه؟

تمثّل شخصيات الرواية إذاً الطرق المختلفة التي تواجه كل من عبثية الحياة والتعاضد المجتمعي. واحدة من هذه الشخصيات كانت شخصية الطبيب "ريو"، والذي سيبدو بطل الرواية بمحاربته الطاعون (العبث)، حتى في تلك اللحظات التي يتملكه اليأس بها، ويستبد به شعور أنه لا يمكن هزيمة هذا الوباء أو الحيلولة دون وقوعه.

وهنالك أيضًا تلك الشخصية العادية حتى النخاع، الشخص الذي لا تجد لديه أي خصيصة أصيلة سوى عاديته، وهو شخص يبدو مثيراً للسخرية حتى أن اسمه السيد جراند (جراند تعني الضخم)، والذي يعرّفه كامو بدقّة على أنه البطل، لربما تحديدًا بسبب عاديته التي تمثل قطاعاَ واسعاَ من البشر. وهناك كذلك الصحفي الذي يدعى رامبير، يحول بينه وبين زوجته الحظر الصحي وذلك بعد اصابته بالطاعون أثناء تغطيته للحدث. فيقضي جلّ وقته في محاولات اللقاء بها.

لكن أكثر الشخصيات مثاراً للجدل، هي شخصية السيد تارو، الذي يجمع ما بين السخرية الصارخة من الحياة،ـ وبين الحزن العميق على المصير الانساني الذي يواجه الفناء، شخصية السيد تارو تمثل تجسيداً للتراجيديا الانسانية والحزن الفلسفي في هذا العالم، واللاجدوى بصورتها المأساوية، لم يكن السيد تارو غير مكترثٍ للمصير الإنساني، بل كان يتألم بعمق مما يراه من مآسي يومية، لكنه في نفس الوقت لا يملك أمام هذه المآسي سوى أن يواجهها بتهكمه وسخريته التي يلفها حزن عميق، وهو مايذكرنا بمقولة الفيلسوف علي عزت بيجوفيتش "بين الحزن واللامبالاة: سأختار الحزن".

إضافة لهؤلاء ، فهناك شخصية الكاهن ويدعى بالأب بانولو الذي يعزو الطاعون إلى خطايا الناس وذنوبهم، والذي -للمفارقة- سيموت من جراء هذا الطاعون بدوره، يقدم كامو شخصية الكاهن بوصفه نموذج للتفسير الكهنوتي الذي يحاول تأويل حوادث هذا العالم الدنيوية بردها لأسباب غيبية مفارقة للعالم.

يُدين كامو كل أشكال الهروب والتبرم من مسؤلية الإنسان في الوجود، فإنكار هذه الشرور أو الهرب منها أو اللامبالاة تجاهها، هو أمر يعده كامو "انتحاراً فلسفياً".

ثم هناك أخيراً، ذلك الشخص العدمي الناقم على البشرية والذي يدعى كوتارد ، يظهر كوتارد سعيداً بما أصاب البشر من وباء عمومي يتساوى فيه الجميع، فهذا الوباء الأعمى الذي يساوي بين الجميع دون أية تمايزات يمثل في نظره وجه العدالة الحقة!

من خلال السرد الأدبي الدقيق ليوميات الحياة في المدينة التي أصابها الطاعون، يجسد كامو وعبر هذه الشخصيات ردود الأفعال الممكنة في مواجهة الطاعون/ العبث، كل من هؤلاء سيختار معركته الخاصة به، فهناك من سينزوي على نفسه ويفكر في خلاصه الفردي، من ستكون معركته في أن ينجو هو من الهلاك وحسب، وهناك من سيُظهرون لامبالاة أمام هذه المأساة حيث جعلتهم هذه الظروف "يتقبلون الموت كحدث يومي ويهرعون للتلذذ ببقائهم على قيد الحياة و نسيان الأموات الذين يسرقون تلك السعادة"، وهناك أخيراً تلك الشخصية التي تتحمل عبء الوجود الانساني وتكافح في سبيل الخلاص الانساني كله، وهو ما يمثله بوضوح شخصية الدكتور ريو.

بصورة واضحة وجلية، يُدين كامو كل أشكال الهروب والتبرم من مسؤلية الإنسان في الوجود، فإنكار هذه الشرور أو الهرب منها أو اللامبالاة تجاهها، هو أمر يعده كامو "انتحاراً فلسفياً".

لا يبقى أمام الإنسان في هذه الحالة سوى أن يفكر في الخلاص الإنساني ككل واحد، وفي الواقع فإن هذا ليس خياراً نمتلكه بحيث يستطيع المرء التحلل منه أو الفكاك عنه، إنها قضية وجود ومصير مشترك لابد أن تثير فينا حس التعاضد الإنساني.