حزنٌ لا أعرفه!

blogs - refugee
مشهد

منذ سنوات لم أر أبي، سافر بالبحر تاركا أمي خلفه تعاني وحدتها وانتظاره، يقول زملائي في العمل إنني لا أحزن، لا أعرف إن كانوا على صواب أم لا، ربما لا يبدو عليّ الحزن، لأنه ليس لدي فرحٌ يقاس عليه حزني.
 

لم أعرف في الحقيقة تنوع العواطف في هذه المدينة الواسعة السريعة المزدحمة. كما تحكي أمي، فإنهما خرجا هاربَيْن من الموت واستقرا هنا فترة، ثم لاح لأبي أن يعبر البحر إلى عالم أوسع بحثا عن مأمن لنا. لا أحد يعلم منذ ذلك الحين إن كان قد عبر حقا أم لا. لم تصل أخبار إلى أمي بعد ذلك.
 

حين سافر، كنت طفلا في الخامسة، والآن أنا رجل في الثامنة، هكذا يقول معلمي في المطعم الذي أعمل فيه. هو أيضا فر من الموت مثلنا، لكنه وجد هنا عملا، لماذا وسعته المدينة بينما ضاقت بأبي!
 

أتابع أخبار الحرب في بلادنا أثناء عملي، لا أفهم شيئا منها، تربكني كثرة الأسماء ولا أعرف ما عليّ أن أتمناه، لا أعرف ما هو الخبر الذي علينا أن نفرح به.

لا أرى أمي إلا ساعة أو ساعتين، هي كل ما يمكنني الاستيقاظ فيه حين أعود للبيت، تعمل هي أيضا لأن ما أتقاضاه يغطي بالكاد أجرة مسكننا، وآخذ طعامي وطعام أمي معي كل يوم مما يتبقى من طعام المحل.
 

تقول أمي إنها ستلحقني بالمدرسة في العام القادم، علمتني القراءة والكتابة، أفسحت لي بين حزنها لأتعلم، ربما أنا الآن أعرفهما أفضل ممن هم في مثل عمري، ربما يكون ما أكتبه الآن دليل على ذلك، لا أعرفه ما جدوى المدارس إذا.
 

حين فر أمي وأبي، فر معهما جارنا وكان طبيبا، لا نعرف أين هو الآن، وفر أيضا بقال شارعنا وكان ذا تجارة واسعة، لم يبق أحد، لم تسعف أحد مدرسته، الكل خرج يحمل فراغه فارا إلى لا مكان.

أتابع أخبار الحرب في بلادنا أثناء عملي، لا أفهم شيئا منها، تربكني كثرة الأسماء ولا أعرف ما عليّ أن أتمناه، لا أعرف ما هو الخبر الذي علينا أن نفرح به. سألت معلمي مرة إن كان يعرف؟ قلت له إن استبشارا لاح في وجهه حين سمع خبرا، وضيقٌ تملّكه حين سمع آخر، لماذا لم يحدث العكس!
 

غضب منّي.. قال إنه يغضب حين يتقدم المجرمون، وعليّ أن أغضب مثله حين يتقدمون! لماذا لا يتقدم غير المجرمين إذا؟!
 

الجو هنا بارد جدا، لا أشعر بالبرد كثيرا لأنني أكون في العمل، لكن عبّود يشعر بالبرد، يهرب إلينا بأكياس المناديل ليبيعها للزبائن، يتلكأ على طاولات حتى يشعر بقدمه، لكن أحدا لا يمهله حتى تعود له قدمه. يشتكي الزبائن، فيطرده معلمي، ينظر إليّ ثم يخرج. لا يبدو مثلي حزينا، ربما هو أيضا لا يعرف الحزن، أو لا يعرف الفرح، ربما يسأل نفسه حين ينظر إليّ، لماذا أنعم أنا بالدفء في داخل المحل بينما هو كالقطط لا يجد ما يستر جلده المتسخ من البرد.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان