ترامب وعقول العالم المتحجرة

blogs-ترامب

اليوم ثبت أن العقول المتحجرة هي بمثابة شركات عابرة للقارات، ليست موجودة فقط في الوطن العربي، بل موجودة في شتى بقاع العالم، المتحضر منها والمتخلف، بداية من أمريكا وبريطانيا وألمانيا وحتى إيران وأفغانستان وكوريا الشمالية. في وطننا العربي عمومًا ووطننا المصري بالأخص ظاهرة مؤرِّقة ومزعجة تتسبب في عرقلة تقدُّمنا، وتمنعنا أن نصبح في الصفوف الأولى من دول العالم الأول، وليس دول العالم الثالث وأحيانا العاشر كما نحن الآن.. هذه الظاهرة تتسبب في حدوث انقسام حقيقي في صفوف الشعب، وللأسف تساعد طبيعتها على تأجج الانقسام؛ فهي تُعلي رأي فريق على الآخر بحكم تقدم السن وادعاء احتكار الحكمة.
 

أظنكم عرفتموها.. إنها الفجوة الكبيرة بين ثقافة الأجيال الهرِمة وأجيال الشباب. هذه الظاهرة طرحت نفسها على الساحة السياسية والاجتماعية مع بداية القرن الواحد والعشرين، وظهرت تداعياتها مع بداية عصر التكنولوجيا والإنترنت وتطوُّر وسائل الاتصال وسهولة الحصول على المعلومات.
 

أبناء الجيل الكبير انفردوا بانعدام القدرة على تقبل الرأي المخالف؛ فالحقيقة بالنسبة لهم ليس لها إلا الوجه الذي يعتنقونه.. كما تربوا على تقديس الحاكم وإحاطته بهالة من التقديس

هناك عدة مبادئ وأفكار كثيرًا ما تجدها متجذرة ومتأصلة في تركيبة الأجيال القديمة التي تعاصرنا حاليا، وهذه الأفكار ما هي إلا أفكار اكتسبوها بحكم عصرهم وبيئتهم القاحلة الخالية من مصادر الثقافة والاطلاع.. فبالكاد كانت القراءة هي الوسيلة الوحيدة لتطوير الفكر، أما عصرنا الحالي المعروف بزخم وسائل المعرفة والاطلاع مثل التلفاز والأفلام الوثائقية والأجهزة الذكية ومواقع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ساعد كثيرًا في تطوير وتثقيف عقول طبقات الأجيال الشابة، وأدى إلى ارتفاع مستوى الرقي ليشمل جميع طبقات الأجيال الشابة الغني منها والفقير، الجاهل منها والمثقف.. ولكن دعونا أولا لا نُعمم، وأن نختص كلامنا بفئة معينة من هذه الأجيال القديمة.
 

من هذه الأفكار التي ينفرد بها أبناء الجيل الكبير فكرة "القومية الشديدة المتعصبة" التي تصل إلى حد العنصرية تجاه أي إنسان مختلف، كما انفردوا بانعدام القدرة على تقبل الرأي المخالف؛ فالحقيقة بالنسبة لهم ليس لها إلا وجها واحدا وهو الوجه الذي يعتنقونه.. كما تربوا على تقديس الحاكم واعتباره رمزًا للبلاد وإحاطته بهالة من التقديس.. كل هذه الأفكار هي من بنات أفكار أجيال الخمسينيات والستينيات.
 

فعندما تنظر إلى معظم الديكتاتوريين في بلادنا العربية الذين يتشبثون بأستار القومية كعبد الناصر أو السيسي الذي دائما لا تخلو خطاباته من الشعارات الوطنية مثل "تحيا مصر" أو "مصر أم الدنيا وهتبقى قد الدنيا" -وبالمناسبة هذه هي الوطنية المزيفة التي تكلم عنها صموئيل جونسون وقال إنها آخر ملاذ الأوغاد- ستجد أن معظم مؤيديهم ومناصريهم هم كبار السن وأبناء الماضي، كما تجدهم يقدسون المخلوع مبارك ويرونه رمزًا لهذا الوطن وأبا لكل المصريين رغم وابل الفساد الذي انهال عليهم في عصره والحياة الصعبة التي قضوها تحت كنفه..
 

طبقات الماضي هذه قد تتسبب في معاناة الملايين في سوريا والعراق واليمن وليبيا بسبب سياسات ترامب العدائية التي لا تحمل أي رفق أو هوادة.. وستتسبب في تدمير الحاضر بسبب ثقافتها المحدودة والضَّحلة!

اليوم فاز دونالد ترامب برئاسة أكبر دولة على ظهر هذا الكوكب، وأصبح الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية، ذلك الرجل النرجسي الذي لا يملك سوى خطابات شعبوية مليئة بالشعارات القومية والنزعات المتطرفة العنصرية تجاه أصناف كثيرة من البشر، فكثيرًا ما تسمع شعارات مثل "سنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" أو "سنحمي مجتمعنا من اللاجئين والدخلاء" في خطاباته.. فالأول يحمل شعارًا قوميا مزيفا والثاني يحمل نزعة كُره وعنصرية تجاه الآخرين.
 

وعندما تتتبع مؤيدي هذا الشخص تجد أن معظمهم من كبار السن أيضا، وقد أظهرت الكثير من التقارير الإعلامية واستطلاعات الرأي أن أكثر من 55 بالمئة من المصوتين لترامب تزيد أعمارهم على الخمسين عاما وأن نسبة المصوتين له من الشباب لا تتعدى 35 بالمئة. هذه الطبقة تسببت في وصول شخص متهور للبيت الأبيض ليصبح القائد الأعلى للقوات المسلحة لأقوى جيش في العالم.. أصبح ترامب يملك مفاتيح لأسلحة نووية قد تؤدي إلى كوارث في القريب العاجل.. هذه الطبقة قد تتسبب في معاناة الملايين في سوريا والعراق واليمن وليبيا بسبب سياسات ترامب العدائية الحادة التي لا تحمل أي رفق أو هوادة.. طبقات الماضي هذه ستتسبب في تدمير الحاضر بسبب ثقافتها المحدودة والضَّحلة!
 

ونذكر جميعًا تأثير هذه الطبقات على اقتصاد بريطانيا وقيمة الجنيه الإسترليني عندما انفصلت بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي وغيره من تبعات لم تصب في صالح بريطانيا نهائيا؛ وكان ذلك نزولا على رغبه كبار السن، حيث كانت نسبة المصوتين من الشباب برفض الخروج من الاتحاد الأوروبي 75 بالمئة ومع ذلك جاءت النتيجة في صالح المصوتين من أصحاب العقول المتحجرة.. وكانت رغبتهم هذه مبنية على عنصرية وعداء شديدين ضد المسلمين الذين يدخلون بريطانيا.. فهنيئا لهم بالماضي الذي عاشوه والحاضر الذي اختاروا معالمه!