شعار قسم مدونات

أعترف بأنني جاهل

blogs - تأمل فعل الكتابة

هل خطر ببالك يوما أن تسأل عن الكيفية التي ترى بها عينك اللون الأسود؟ على الرغم من أنك تعرف القانون الذي يقول بأن رؤيتك لأي لون يكون من خلال امتصاص ذلك اللون لجميع ألوان الطيف، ويعكس فقط اللون الذي يشبهه فتراه عينك ولكن اللون الأسود يمتص جميع ألوان الطيف ولا يعكس شيئا منها. ولكن كيف يمكننا رؤيته.

شيء مرعب عندما نكتشف بأننا في الحقيقة لا نرى اللون الأسود. لأنه يعتبر منطقة مظلمة لا يمكن رؤيتها وليس لونا. والشيء الأكثر رعبا هو توقف عقلك عن السؤال منذ سنوات طويلة لتتجاوز بذلك حدود الجهل بهذه المعلومة الخطيرة.

لا شيء يصنع الفكر ويبني العقل ويطلق عنان الشغف للوصول أكثر من الفضول لأنه
 يبعث في النفس حب السؤال

وكذلك أزرار المصعد الذي تستخدمه كل يوم، فأنت تضغط الأزرار P و B ولكنك لا تعرف إلى ما ترمز إليه تلك الاختصارات باللغة الانجليزية، وكذلك رسائل البريد الالكتروني فأنت تبعث رسائل CC وأخرى BCC ولكنك لا تعرف ماذا ترمز إليه هذه الاختصارات.

مئات الآلاف من الطلاب تخرجوا من الثانوية ومن كليات الهندسة، ولا يعرفون ما هي الاستخدامات العملية للتفاضل والتكامل، فجميعهم يحفظون قوانينها ويجيبون على أسئلة الامتحانات المتعلقة بها ولكنهم يجهلون استخداماتها في الحياة.

لا أكاد أصدّق فعلا بأننا خرجنا من المدرسة بكل سلام ووئام وروح رياضية عالية وبلادة وبرود أعصاب، ولم يخطر ببالنا يوما أن نسأل المعلم عن تلك الأشياء.

أركان الإيمان الست التي نبني عليها كل ما نعتقده، ختامها هي الإيمان بالقضاء والقدر، ولكننا لا نعلم الفرق بين القضاء والقدر. نذهب إلى البنوك الإسلامية لنأخذ قروضا بالمرابحة ولكننا لا نأخذ قروضا بالربا.. والمفاجأة أننا لا نعرف الفرق بين المرابحة والربا.

ندافع بقوة عن مبدأ الاقتصاد الإسلامي باعتباره الحل لمشاكل الاقتصاد العالمي، ولكننا لا نعرف كيف، ونقول بأن القرآن صالح ومصلح لكل زمان ومكان ومنهاج حياة ولكننا نجهل الكيفية. ولم يدفعنا أي فضول للبحث والسؤال لتبديد ذلك الجهل عن أشياء نؤمن بها وندافع عنها بقوة.

أي بلادة معرفية تلك التي أصابتنا؟ وأي متلازمة جهل قاتلة التي تغلغلت في عروقنا؟ في الحقيقة نحن مصابون بما يسمى – وهم المعرفة – وهو قدرتنا على الإدعاء بأننا نعرف الأشياء ولكننا في الحقيقة لا نعلم عنها شيئا.

لأن كبريائنا يمنع عقولنا من تقبل فكرة الشعور بالنقص والجهل، ولذلك نلجأ إلى مساحة الراحة والتظاهر بالمعرفة، فأنت لا تعرف الكثير من الأشياء، ولا تريد حتى السؤال عن ذلك خشية الشعور بالنقص وعدم المعرفة.

فالطالب الذي يقرأ الكتاب عشرات المرّات والشخص الذي يختم القرآن 30 مرة في شهر رمضان لا يزداد معرفةً وعلمًا بما قرأه، بل يزداد ألفةً فقط بما مرّ به من معلومات.

أعزائي ، لا شيء يصنع الفكر ويبني العقل ويطلق عنان الشغف للوصول أكثر من الفضول، لأنه
 يبعث في النفس حب السؤال، ويبعث في العقل حماسة التفكير والمقارنة والمعرفة.

الفضول، يبعث في الجسد لياقة الحركة، ويبعث في الروح لياقة العزيمة ويكسر شوكة السكون والركون والبلادة. ولا يريح قلبك ولا يغمض عينك قبل أن تطفئ حماسة كل سؤال جال في خلدك.

الفضول لا يترك كلمة "القضاء والقدر" ولا عبارة "القرآن صالح ومصلح"  لكل زمان ومكان – ولا كلمة" بلوتوث" أن تمر على عقلك قبل أن تتساءل عن روح تلك الكلمة وأصلها ومعناها ومقتضيات فهمها.

الفضول، مفتاح المعرفة والفهم والادراك. ومفتاح استخلاف العقل في الأرض فلولا الفضول الذي يوصل الى الايمان ما قال موسى رب أرني أنظر اليك. ولا قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى. ولا قال نيوتن لماذا سقطت التفاحة … فهناك الكثير من التفاح الذي سقط حول العالم .. ولكن نيوتن وحده من دفعه فضوله للبحث واطفاء نار ذلك السؤال بالمعرفة.
فإياكم ثم إياكم أن تمر أي كلمة أو أي فكرة أو أي موقف أو حادثة على عقلك دون أن تتساءل عنها وتحرك عقلك بها لحين الوصول الى إجابة تريح بها عقلك وترضي بها ربك.

في دراسة قامت بها مؤسسة غالوب على 130 ألف شخص في 130 دولة تمثل 95 بالمئة من العالم، وجدوا بأن أحد أهم عوامل السعادة التي عبّر عنها المشاركون في البحث هو أنهم قد تعلموا شيئاً جديداً البارحة. معنى ذلك أن سعادتهم التي يشعرون بها اليوم هي انعكاس لشيء جديد تعلموه بالأمس حتى لو كان بسيطا.

في عام 2008 كتب نيكولاس كار مقالا بعنوان "هل جوجل يجعلنا أغبياء؟" تساءل فيه عما إذا كان الإنترنت يقصر فترات تركيزنا ويضر بعقولنا. وقال إنه على مدى السنوات القليلة الماضية " كان يلازمني شعور غير مريح، بأن شخصا ما أو شيئا ما يلعب في ذهني، ويغير خارطة الدوائر العصبية ويقوم بإعادة برمجة الذاكرة، عقلي يتغير أنا أعرف ذلك ولكننى غير قادر على تحديد ماهية التغيير!!"

وأضاف "ما أعرفه أنني لم أعد أفكر بنفس الطريقة التي اعتدت التفكير بها، فقديما كان من السهل أن أنغمس في قراءة كتاب أو مقال طويل، لكن نادرًا ما يحدث هذا الآن، وعادةً يتشتت تركيزي بعد أول صفحتين أو ثلاث صفحات، أشعر بالملل ويضيق صدري، وينقطع حبل الأفكار، وأبدأ في البحث عن أي شيء آخر أفعله، القراءة العميقة التي اعتادت أن تأتي بشكل طبيعي سلس، أصبحت كفاحاً. فالإنترنت غيَّر أدمغتنا، بحيث لم نعد نقرأ باستغراقٍ أو انهماك فشبكة الإنترنت تجعلنا أغبياء".

الفضول، يبعث في الجسد لياقة الحركة، ويبعث في الروح لياقة العزيمة ويكسر شوكة السكون والركون والبلادة

أجمل شيء في شخصية الانسان المتعلم أن يكون مستفزّا ودماغه يابس ويسأل عن كل شيء ولا يقتنع بأي فكرة بدون دليل وفهم واقتناع. فلا تترك أي معلومة تدخل إلى عقلك دون أن تمر على فلتر الوعي والادراك التام، لأن الفكرة غير المنطقية لو دخلت إلى عقلك بشكل عادي فستتحول مع الوقت لقناعة راسخة وستصبح أنت مدافعا عنها بشراسة وتلك أكبر مصيبة.

والذي ينقذنا من هذا المستنقع هو – الفضول والسؤال – الذي يجعل الإنسان يعترف بنقصه ويتنازل عن كبريائه الخادع ويبحث عن المعرفة بكل صدق وتواضع.

أخيرا.. أودّ أن أقول تبّاً لسنوات الجامعة لو كنت ستخرج منها بمعدل امتياز ولكنك لم تتعلم شيئا جديدا كل يوم..تبا لذلك الامتياز الذي حرمك لذة الجلوس في المكتبة لقراءة كتاب جديد ومناقشة فكرة وتمحيصها للوصول إلى الإجابات التي ستبني عليها ما بقي من عمرك.

تبا لذلك الامتياز الذي جعلك نموذجا يعزز منظومة التعليم المتهالكة التي قتلت فيك ملكة الفضول والبحث والسؤال والتفكير الحر.

تبا لذلك الامتياز الذي قتل فيك قيمة التعلم الذاتي وجعلك آلة تحفظ النصوص دون أن تفهم.
تبا لذلك الامتياز الذي لم يخرج من عباءته بحث أو ابتكار أو اختراع تشفي به صدور قوم مؤمنين بقدراتك لتصنع به شيئا من الأمل لمستقبل أمتهم.