الفتوحات الإسلامية والبحث عن مبرر

واقع الأمر، إن مشكلة تبرير الفتوحات الإسلامية ترجع لافتراض أساسي، وهو قداسة هذه الفتوحات ونبلها، وذلك بناء على نبل الغاية، ما يجعل كل التفاصيل مقبولة، ويمكن التعامل معها بمنطق القداسة، وهو افتراض لا تعززه ممارسات التاريخ على الأقل في عهد ما بعد الخلفاء الراشدين، لكن رؤيتنا للتاريخ، تحيلنا على معنى ثابت وغير قابل للتحول، وهي الرؤية المثالية للفتوحات كحركة غيرت وجه التاريخ.

وقد لا يجزئ الاكتفاء بالقول بأن الجهاد مختلف عن الحروب المقدسة، وأن غابته نبيلة، فالأمر في المحصلة لم يخل من السبي والغنيمة أيضا، ولم يخل من التوسع في ممالك وبلاد الشعوب الأخرى.
والحقيقة أن الفتوحات الإسلامية واقعة تاريخية، وقد يخالف البعض فيراها واجبا دينيا، أو أمرا عقائديا بحكم الأمر بالجهاد، والإخبار النبوي حولها، فالنبي صلى الله عليه وسلم بشر صحابته بفتوحات في الشام والعراق وفارس واليمن، وكثير من الأحاديث تشير لهذا الجانب.

لم يكن متاحا للمسلمين في ظل الإمبراطورية الرومانية التعبد بحرية، فقد استشهد فروة الجذامي مصلوبا بسبب إسلامه.

لكن الإنصاف يقتضي النظر إليها باعتبارها واقعا تاريخيا، تقييمه يحال على الوحي وقيمه، وبين المسارين اجتهادات البشر وتدبيرهم ومدى تمثلهم لقيم الوحي ومسايرتهم لأحكام الواقع، وقدرتهم على المواءمة بينهما، للوصول لأفضل الممارسات، وأوضح المفاهيم.

ينبني على هذا الفهم انتفاء الحاجة للتبرير، ويتأسس عليه الحاجة للتفسير، وهي التي تقودنا لاستيعاب ومعرفة مسار هذه الحركة الضخمة، وما التحولات البارزة فيها، ليتسنى لنا فحصها ومحاكمتها.

لكن في سياق ذلك، تغفل كثير من القواعد التاريخية التي حكمت علاقات الكيانات السياسية ببعضها حينها، وثمة كثير من المفاهيم التي تغيرت توصيفاتها بين وقتنا وذلك الوقت.

فالعلاقة بين الدين والدولة في القرون الوسطى (476 -1453م) كانت علاقة اعتمادية، يقوم فيها السياسي بالاستفادة من رجل الدين، فيحصل منه على شرعية حكمه، ويسترشد به فيما يفعله وذلك تحت مختلف الذرائع، بينما يستفيد رجل الدين من السياسي، فيرخص سلطته الدينية، ويحوز ظلها الأرضي عبر ما يحصل عليه من مساحات الحرية والهيمنة على قلوب الرعايا، ويضمن استمرارية مؤسسته الدينية عبر الهبات والأموال التي يتلقاها.

وبمجيء الإسلام، فك الإسلام هذه العلاقة، محيلا إياها على مساحة الفكر مستندا على مباديء الحرية الدينية واللجوء للفكر والبرهنة في العلاقة بين المجال الديني والحياة العامة خاصة في شقها المتعلق بالسياسة.

وفي ظلال هذه المبادئ فإن الجهاد يجيء حلا لأزمات تعترض هذين المبدئين، بينما يكون الجدال بالتي هي أحسن الوسيلة المثلى للتعامل مع أي أزمات تتصل بعالم الفكر والاعتقاد.

وفي المقابل، فإن الساحة الدولية حينذاك –إن جاز التعبير- قد عرفت التعامل مع الأقليات الدينية بانتهازية مفرطة، فقد هاجر النساطرة فارين من اضطهاد البيزنطيين لهم، ولجأوا للملكة الفارسية، وأقاموا في رعاية أكاسرتها ردحا طويلا من الزمن حتى قدم المسلمون،

كما أن العلاقات الدولية لم تحتمل ظهور قوة ثالثة على المسرح، تقبل من جزيرة العرب، لأن احتمالية إقبال البدو على حواضر العراق والشام، والعامل الديني الوارد في روايات متعددة عن خشية هرقل الروم من المسلمين، كلها جعلت الفرس والروم متحفزين للهجوم على المسلمين، فقد أرسل كسرى رجلين لجلب النبي صلى الله عليه وسلم، وقام بتقيد الصحابي الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم برسالته لكسرى، عدا عن قيم كسرى بتمزيق تلك الرسالة، إضافة لقيام الوالي الغساني في الشام بقتل رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو إعلان حرب، قاد لمعركة مؤتة، ثم بدأت الشائعات تعزو المدينة بتجهيز الغساسنة لهجوم عليها، وكان ذلك بواسطة تدابير اتخذها المنافقون وأبو عامر الراهب المقيم عند قيصر الروم حينذاك تحت ما سمي بمسجد الضرار.

وبناء على معطيات وروايات مختلفة، فلم يكن متاحا للمسلمين في ظل الإمبراطورية الرومانية التعبد بحرية، فقد استشهد فروة الجذامي مصلوبا بسبب إسلامه، وبدا جليا أن الدولة الرومانية لن تتسامح مع الإسلام كدين أو المسلمين كقوة.

ولهذا وقعت الفتوحات الإسلامية، وامتدت طوال زمان الخلفاء الثلاثة الراشدين رضي الله عنهم، وبدأ الكيان السياسي المسلم في التعامل وفقا لمبادئ محددة تجاه الجماعات التي يحكمها من أهل الأديان المختلفة.

تحولت جماعة الفاتحين منذ العهد الراشد لجماعة ضامنة لحقوق أهل الذمة، بمعنى أن الوضع المثالي كان يقتضي رقابة المسلمين جميعا على أحوال أهل الذمة وحمايتهم.

وقد تطور فقه الجهاد عمليا بناء على آيات القرآن، وتطبيقات الصحابة إبان الفتوح الأولى في العهد الراشد، وتطورت القراءات لهذه التطبيقات جيلا فجيل، حيث يقدم كثيرون اليوم قراءات متنوعة للسبي باعتباره ممارسة حلت أزمة أسر فقدت عائلها في تلك الحروب وظروفها القاسية، وهو تفسير يبدو مقبولا، لكن أدلته تحتاج فحصا أطول.

ومن ناحية أخرى، فمن الثابت أن مفهوم السيادة والحدود لم يعرف الثبات والاستقرار بصورته المعاصرة، فلم يكن في التوسع في الأراضي الأخرى عيب أو ضير بمقياس القرون الوسطى، وهو في نظرنا وفي الحالة المتصلة بالفتوحات الإسلامية كان حلا لا مناص منه، إذا أريد تأمين حرية التعبد للمسلمين في جزيرة العرب أو خارجها، وكذلك إذا أريد الدعوة للإسلام بحرية ودون عوائق قهرية.

على أن هذه الفتوحات ذاتها اتسمت بالطابع الإمبراطوري بعد الخلافة الراشدة، حيث تحكم فيها العامل السياسي بدرجة كبيرة، غير أنه من المهم الإشارة لعدم إمكان القطع بانتفاء البعد الدعوي أو الجانب التحرري لها، وإلا لدخلنا في نيات الفاتحين ومقاصدهم بغير وجه حق.

وقد تحولت جماعة الفاتحين منذ العهد الراشد لجماعة ضامنة لحقوق أهل الذمة، بمعنى أن الوضع المثالي كان يقتضي رقابة المسلمين جميعا على أحوال أهل الذمة وحمايتهم.

هذا الوضع أملى على البنية الاجتماعية عقب الفتوحات وضعا منح المسلمين اليد العليا في الإدارة، وبالتدريج ومع التحول لإمبراطورية أصبحت الجماعة المسلمة في وضعية تراتبية أعلى من الذمي، مع منحه وضع الجماعة الوظيفية الأدنى من المواطنة الكاملة بمفهومها المعاصر، وهذا بالقياس لظروف العصور الوسطى تقدم كبير للغاية، لكنه لا يوافق الأحوال الحديثة، ولا يتسق في كثير منه مع قواعد الشرع أو مقاصده.



حول هذه القصة

لم تخف المؤسسة الإسرائيلية في ردها للمحكمة المركزية في بئر السبع قلقها من رئيس الحركة الإسلامية الشيخ رائد صلاح المعتقل بتهمة التحريض في سجن نفحة الصحراوي، وأبقت عليه بالعزل الانفرادي.

13/11/2016

في فيلمه الوثائقي “الفنون الخفية في الإسلام”، يسلط المخرج البريطاني الباكستاني الأصل فارس كرماني الضوء على جماليات مجموعة قطع الفن الإسلامي المعروضة في المتحف البريطاني في لندن.

13/11/2016

يستكمل البرنامج قصة سقوط الأندلس، فمنذ الفتح الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية أقام المسلمون هناك ثمانية قرون، بنوا خلالها مجداً وحضارة أضاءت الطريق للنهضة الأوروبية فيما بعد.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة