بائعة الدخان

ها قد بدأ ظهر يوم الأربعاء بشمسه التي تنتصف السماء وهي تُسقط أشعتها عمودياً على رؤوس السائرين، وهدى ابنة العشر سنوات لم تبع بعدُ شيئاً من سجائرها المسجاة أمامها في صندوق خشبي. الناس من حولها ضجرون ومنهكون، وهي صائمة، وقد أنهكها العطش، تسير بمفردها، والدم برأسها يغلي بقيظ تموز، وقد أخذ منها الحر مأخذاً حتى جفت شفتيها وتغير لونها.

لاحظت بائعة السكائر سكوناً في الشارع على غير المعتاد، تبيّن أن سببه عطلة طارئة، أعطتها الدولة للموظفين بسبب لهيب الحر الذي جعل من العراق واحداً من أكثر بلدان العالم منحا للعطل خصوصا الطارئة منها. يا ترى من سيمنح هدى عطلة، من سيقول لها ارتاحي بنيتي، و أتمي صيامك، وكيف سترتاح وهناك في البيت أبٌ التهم السكري ساقه اليمنى بلا رحمةٍ، وأم ضعيفة تنتظر عودتها لتشتري من ريع ما تبيعه طعاماً يفطرون به.
 

أخذت هدى المال بأسى وشعرت أنها غدت شريكة بخطيئة معصية الإفطار في رمضان، سرت في نفسها إرادة لرمي النقود لتتخلص من الذنب وتستبدله بالغفران.

الناس كلهم صيام ولا أحد منهم يدخن في الشارع، أحست أن قلبها بدأ يكره رمضان، وتأملت كم هو قاسٍ على أمثالها هذا الشهر الذي يوصف بالفضيل. تحدث نفسها وتسأل: لماذا يسمونه شهر الرحمة، وهل الرحمة أن لا يدخن الناس فنموت أنا وإخواتي جوعاً؟ لكنها سرعان تطرد تلك الأفكار من رأسها متذكرةً قول معلمة التربية الإسلامية من إن هذه الافكار من وساوس الشيطان الرجيم، الذي يريد منها أن تجزع وتكفر بالصبر ودعاته.
 

نشأت هدى في منزل استأجره والدها منذ أحد عشر عاماً من أحد المتجاوزين على أراض الدولة التي لم تعد مهابة كما كانت من قبل، كانت عائلة هدى فقيرة، ومتدينة يحرص أفرادها على أداء الفروض الدينية. كان الأب مواظبا على صلاته، ورغم أنه مبتور القدم إلا إنه كان حريصا على أداء الصلاة في المسجد، لا يهمه عناء حمل نفسه على عكازه الذي منحته إياه دائرة الرعاية الاجتماعية ضمن برنامج لرعاية المعاقين والذي أطلقته الحكومة العراقية لرعاية المعاقين ومبتوري الأطراف، والذين يقارب عددهم الـ ثلاثة ملايين نسمة في بلد تمزقه الصراعات منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً.

كم تمقت هدى رائحة السجائر رغم أنها مصدر عيشهم المؤقت منذ شهور، وفي لحظة إحساس بالحرمان رفعت هدى رأسها إلى السماء حيث الله قائلة له: يا رب أيرضيك حالي!! الناس صيام لا يدخنون والموظفون في منازلهم هاجعون، والحر قاتل، وأنا لم أبع بعد شيئاً من علب السجائر.
 

وما إن أنزلت رأسها، حتى وقف أمامها رجل يطلب منها علبة سجائر، فرحت جدا وشعرت اأن الله كان يستمع لها ولأن شعورا كهذا أحست به قالت له بلسان قلبها: شكرا لك يا رب فأنت كريم ورؤوف. فضَ الرجلُ علبة السجائر على عجالة، وأخرج منها سيجارة، وأشعلها بقداحته التي كانت في جيب بنطاله، انتبهت هدى لما يقوم به فسألته بحياء: يا عم، لعلك نسيت بأننا في رمضان وأنك صائم؟! اشعل سيجارته دون ان يجيب عن استفهامها، وناولها النقود ومضى فيما الدخان الكريه يملأ الأجواء من حولها.
 

أخذت هدى المال بأسى وشعرت أنها غدت شريكة بخطيئة معصية الإفطار في رمضان، سرت في نفسها إرادة لرمي النقود لتتخلص من الذنب وتستبدله بالغفران. وهي تعصر النقود بيدها، تمثلت بمخيلتها صورة أبيها العاجز عن العمل، فدست المال خفية في حقيبتها، كأنها تواري عن الناس ذنباً اقترفته. نظرت هدى للسماء مجددا، تتطلع إليها بخجل، ومتمتمة بكلمات الاستغفار، وطلب الصفح من إله السماء، قررت عينها البكاء بصمت.
 

كان يوسف يراقب هدى من نافذة سيارته التي كانت مركونة على جانب المستشفى التي ترقد والدته فيها بعد أن أصابتها شظايا تفجير ضرب سوقا ببغداد، كان ينظر يوسف لدموع هدى وانكسارها. ترجل من سيارته واقترب منها. سألها: حبيبتي لما تبكين؟! وبعيون لامعة بالدموع قالت له: عمو قبل قليل بعت السجائر لرجل فدخنها في نهار رمضان، لقد أغضبت الله بمقاسمتي الرجل جُرم الافطار. رد يوسف بإستنكار: ولماذا تبيعينها ان كنت تعرفين إثمها ؟! ردت بانكسار: وماذا أقول لأمي وأبي عندما أعود من دون مال، إخوتي ينتظرون مني طعام الإفطار.
 

بعدما استمع يوسف لقصة هدى وتفاصيل عيشها في ظروف أقل ما يقال عنها أنها بائسة في ظل بلد يعوم على بحر من الذهب الأسود قال لها بتودد: سأشتري صندوق السكائر كله بضعف سعره مرتين. ردت بسخط بان على صوتها: لا.. لن أبيع السكائر بعد اليوم، وحتى وإن أجبرني أبي، سأقوله له ذلك، وهو لن يضربني عندما يعرف أن فيها معصية، لن أبيعك السجائر لتدخنها أنت أيضاً.
 

قد كان الابن البار "يوسف" بحاجة لأسرة متعففة فعلاً، كونه يريد أن ينمي أمواله بالمنح والصدقة والعطاء؛ إذ أن الصدقة والزكاة تنمي المال وتباركه

أجاب يوسف مبتسماً: حبيبتي أنا لا أُدخن، ثم أنا صائم، الشمس حارقة، وأريد أن أريحك من ثقل الضمير، لاتخافي سأشتريها كلها، ولن أدخن منها شيئا. صحيح؟ سألته بفرح . أخذ يوسف السجائر بضعفي سعرها، ثم أعطى لهدى كارتا شخصيا فيه رقم هاتفه الجوال. هذا رقمي، فليتصل بي والدك فلدي عمل يناسبه. أخذت الكارت فيما دموع الفرح ملأت عيناها بريقا ولمعاناً، وقبل أن يرحل يوسف قدم لهدى مقترحا: ما رأيك أن نحرق السجائر هنا؟ نحرقها هنا ولماذا؟!! ردت عليه. نعم هنا على جانب الرصيف.. ماذا قلتِ؟ أجابها بترغيب.
 

وافقت هدى بحماس كان واضحا على حركة يديها المتشابكتين، وجعلت من العلب كومة أشبه بهرم عشوائي الأبعاد، ومن ثم أشعلا التبغ سويا حتى ملأ الدخان الأبيض الأجواء من حولهما. كانت فرحة هدى عميقة ومعبرة، كانت تضحك بخجل مفرط ومضحك، كانت سعيدةٌ لأنها شعرت باحتراق الذنب الذي إقترفته حسب ما أخبرها قلبها البريء.
 

وفيما هدى تودع، يوسف بوعده القاطع بالمساعدة، سرى في نفس الابن البار يوسف شعورُ بالرضى حمد الله عليه، فقد كان بحاجة لأسرة متعففة فعلاً، كونه يريد أن ينمي أمواله بالمنح والصدقة والعطاء؛ إذ أن الصدقة والزكاة تنمي المال وتباركه بحسب ما تعلمه يوسف من القرآن وأحاديث نبيه محمد عليه الصلاة والسلام.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يبدو القلق والحرمان جليا في عيون الأطفال الذين يشكلون قرابة 50% من سكان مخيم الخازر شرق الموصل الذين هربوا من المعارك بين القوات العراقية وتنظيم الدولة الإسلامية.

يواجه الصحفيون في العراق منذ الغزو الأنغلوأميركي في مارس/آذار 2003 مخاطر جمة على رأسها الاختطاف والاغتيال والقتل. وبانتظار تشريع أو تشكيل لجنة حماية تنقذهم، يعيش العاملون في مهنة المتاعب حياة يرثى لها ما بين مغامر بحياته ومعتزل يفضل الفقر على الموت.

قال رئيس لجنة العمل والشؤون الاجتماعية بالبرلمان العراقي صادق المحنا إن معدل الفقر في العراق سيتجاوز 30% خلال العام الجاري، بسبب سياسة التقشف التي تتبناها الحكومة جراء هبوط أسعار النفط.

تقول وزارة التخطيط العراقية إن نسبة الفقر في العراق ارتفعت بعد أحداث العاشر من يونيو/حزيران 2014 بسبب نزوح مليونين ونصف المليون شخص من محافظات شمالي وغربي البلاد.

الأكثر قراءة