في رحلة القطار.. كلنا على سفر

ينطلق صوت القطار مناديًا نداءه الأخير معلنا بدء مسيرته الطويلة، كثيرون يجلسون في تأهبٍ على متنه، البعض يسرع في الصعود، وآخرون يركضون محاولين اللحاق به قبل فوات الأوان، والناس في القطار مختلفون بالطبع، منهم من يستقر في مقعده الوثير ذي الدرجة الاولى ومن هو في الدرجة الثانية فالأقل، وهناك شطرٌ آخر يجلس بين العربات يجاور صرير الحديد الصدئ ويلتقي لسعات البرد بحيادٍ كئيب، أولئك يستقلون القطار دون تذكرة، عالمين أن الغرامةُ على وشك أن تُدفع.

في القطار وجوهٌ سمراء وأخرى قمحية وبيضاء، وجوه نضرة شابة ووجوه حفرت عليها السنون آثارها الخالدة العنيدة، فيه أطفال وعجائز، زوجان سعيدان يمسك كل منهما بيد الآخر ويتوسد كتفه، أصدقاء شباب يأكلون الشطائر الساخنة التي تلسع أفواههم ليضحكوا بصوت عال، رضيع يبكي، جندي حاد الملامح خفيف المتاع، طفل يركض في الطرقة الضيقة، رجل ينادي لبيع الشاي، ودمعات أم تتساقط في أحد الكراسي الأمامية في أنين خافتٍ دون أن يراها أحد.

يبدأ الحوار في الارتفاع، بل الغوص أكثر إن شئت الدقة، تذكر له تفاصيلٌ أنت نفسك لم تكن تعرف أنك تعرفها، فتشعر بالألفة.

ثم هناك وسط كل هذا الصخب، أنت .
أكلنا حقا أصحاب رحلةٍ واحدة؟ أم لكل وجهة هو موليها؟ يهمس السؤال في رأسك وأنت تضع متاعك لتستقر في مكانك المخصص لك. يتحرك القطار بأقصى سرعته.

ثم هناك الجالس جوارك، اختاره القدر ليكون رفيق هذه الرحلة لسويعات، يبدأ الامر بسلامٍ عابر بين غريبين واستئذان في الجلوس، كلمةٌ يلقيها هنا تردها بكلمة فيبدأ الفيضان، ينساب سيل الحكي بينكما، تخبره عن عملك، عن دراستك القديمة وكم كنت تكرهها، وأقاربك من الدرجة الاولى حتى العاشرة، ثم عن رائحة طعام أمك في ظهيرة يوم جمعة بعد الصلاة، وعن ذلك اليوم الذي جمعكم فيه الجد ووزع عليكم عيدية العيد الجديد .

صوت عجلات القطار تحتك بالقضبان يعلو فوق صوتيكما.
يبدأ الحوار في الارتفاع، بل الغوص أكثر إن شئت الدقة، تذكر له تفاصيلٌ أنت نفسك لم تكن تعرف أنك تعرفها، تشعر بالألفة فتطلب قدحين شاي وتصر أن تدفع انت له.

يخرج لك بضع لقيمات أعدتها له زوجته أو أخته فتتشاركانها، تمر الساعات دقائقا ويكسب الطريق دفئا وودا لا تعرف له مصدرا معلوما.

وفجأة ينادي الصوت من جديد فتقل سرعة القطار تدريجيا، تسكتان وتقفان مسرعين فقد وصل القطار إلى محطته الأخيرة، وآن لكما أيضا أن تصلا.

تبتسمان في ودٍ عميقٍ لا يكون إلا بين رفقة عمرٍ كامل من المحبة والذكريات، تلوحان بالسلام ويذهب كل منكما في سبيله.

تسرع الخطى وتذكر الزوجان المتحابان فتبتسم في رضا، الطريق من النافذة، تجاعيد الوجوه فتخشع لاحترام الزمن وهيبته، صوت بائع الشاي فتذكر طعم شايه، بكاء الرضيع فتتساءل إن كان هدأ ونام في حضن أمه، الشطائر الساخنة والبخار المتصاعد منها ورائحة الكعكات الدافئة فيسري في أوردتك دفء مماثل، تشعر بامتنانٍ لا تعرف من أين أتى، ثم تذكر رفيق رحلتك تلك، وفجأة تدرك أنك لم تسأله عن اسمه ولم يسألك!
كذلك لم تعرف لماذا كانت تبكي الأم العجوز في مقدمة القطار، ولن تعرف ..

لكنك تسير مثلهم جميعا، لوجهتك الأخيرة، مسافرًا وحدك.



حول هذه القصة

أعادت مصر إغلاق معبر رفح جنوب قطاع غزة بعد فتحه جزئيا لخمسة أيام في كلا الاتجاهين تمكن خلالها نحو ألف ومئتي فلسطيني من السفر، وعاد آلاف العالقين بالأراضي المصرية.

8/9/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة