بلادي وإن جارت علي عزيزة

قدر الله لعيني أن ترى النور في أرض غريبة .. ليست غُربة من أجل عمل أو تحسين وضع معيشي، بل لأن بلادي تَخَلْقَت عُنوة بأخلاق حاكميها، فضاقت رغم اتساعها بساكنيها من أبنائها وذويها.

تتعدد الفروع الأمنية في بلادي أكثر من تعدد فروع جامعاتها العلمية، يُنفَقُ  فيها على ميزانية الأمن ما يفوق ميزانية التعليم والصحة أو البنية التحتية.

لم أسمع من قبل قول الشاعر "بلادي وإن جارت علي عزيزة" ولا قرأتُه، لكني رأيته في عيون والديْ أوالكبار ممن يشابهونهم في الغربة

فروع الأمن في بلادي ليس لأمانها وحمايتها بل لأمان حاكميها وجيشها وحماية طغمتها الحاكمة..
خياران في طريقة الحياة لك في بلادي، أولاها أن تختار الحياة للحياة فقط مجردة من الكرامة وعزة النفس، ثانيهما أن تختار الكرامة وتُعبر عن حقك في الحرية أو فُسحة منهما على الأقل.

ولِحاكِمي بلادي أيضا الحرية حينها في سوقِك عُنوة للمعتقلات فتتذوق طعم الويلات تباعا ولك في السجون فُسحة .. ليست تلك التي تطلبها بل فُسحة شمسية في باحة السجن الإسمنية تحت بنادق الجلادين خلف أسوار شائكة ومن خلفها جدران عالية.

حين تنزل ضيفا في معتقل تحصل بعدها على عضوية سجن مجانية! .. يحق لهم -لا لك- في إنزالك المعتقل مرارا وتكرارا لأسباب أتفه من سابقاتها، ثم عليك أن تزور الفروع الأمنية بشكل دوري ويضاف لها زيارات حين الإستدعاء.

لم أسمع من قبل قول الشاعر "بلادي وإن جارت علي عزيزة" ولا قرأتُه، لكني رأيته في عيون والديْ أوالكبار ممن يشابهونهم في الغربة.

بلادي بألسنتهم وصفها جميل، العيد فيها أجمل وأكثر حفاوة بأهله.. الجو فيها أنقى وأصفى .. الناس فيها أرقْ وكلامهم أعمق ولهجتهم تنساب بلا تكلف، اللحم فيها أدسم .. وماؤها أعذب وترابها أخصب وطبيعتها أكثر اخضرارا.. ثمارها أكثر حلاوة، وقهوتها أكثر عبقا.

الأطباء في بلادي أدق في تحديد العلل، والمهندسون فيها أبرع في التصميم، والمدرسون فيها قدوة حقيقية، وللكبار فيها رأي سديد، المطاعم  فيها ألذ، أناسها كرام الطباع، فنيوها متقنون لصنعتهم، نسائها متقنات مدبرات.

حتى تراءت بلادي لي من مسمعي كأنها قصيدة جميلة النَظمِ أو أغنية دمشقية، كأن أحياءها لوحة زيتية متناسقة بألوان باهية، كأنما غمامة رقيقة تُلَطْفُ صيفها .. كأنما أشعة شمس حريرية تدفئ شتاءها بعد المطر .. كأن بلابلها تعزف مقطوعة على أغصان صفصافها .. كأن رائحة الياسمين تمتطي نسيمها العليل .. كأن شجر سدرها مخضود .. كأن حفيف أشجارها مزمار يرتل سورة الرحمن.

حتى قبورها التي كَثُرت في آخر سنواتها المضنيات كانت محاطة بشقائق النعمان وزهر البنفسج دونما زارع

حتى أوانٌ انزاح فيه النظام بظلمه عن بعض أرجائها، فعاجلت أنا بزيارتها كأن قدمي تسيران دونما إيعاز مني .. فروحي تتوق لرؤية ما قد عَشِقَتُهُ أنا بأذُنَي .. وجدت بلادي كما غيرها من البلدان، لكنها أجمل وإن كانت تحت وطأة القصف.

بيوتها لوحة فنية وإن كانت محطمة الجدران أو بها ثقوب شظايا .. شتاؤها القارس مع  غياب وقود يدفء من نزل به أيضا كان جميلا.. صيفها اتزداد حرارته مع البراميل المتفجرة الملقاة على ازقَتِه أيضا كان جميلا.

حتى قبورها التي كَثُرت في آخر سنواتها المضنيات كانت محاطة بشقائق النعمان وزهر البنفسج دونما زارع، قهوتها تحت تينتها ألذ وأعبق رغم أن فوق تينتها طائرات النظام تستقوي وطائرات الروس تسلك سمائها وطائرات التحالف تسرح بها، جميعها متربصة وتحمل الموت العشوائي لأبريائها وأطفالها ونسائها.

حتى جرحى بلادي الذين لا يجدون علاجا كانوا راضي النفوس تعلو وجوهمم ابتسامة.. نعم إن بلادي جميلة رغم ما حل بها .. لكنها كانت أجمل في عيون والدي.



حول هذه القصة

مع دخول الحملة العسكرية الروسية في سوريا عامها الثاني، وانحدار العلاقات الروسية الغربية لمستويات غير مسبوقة، تتزايد في الأوساط الشعبية الروسية الهواجس من نشوب حرب عالمية ثالثة.

2/11/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة