الشعوب تستحق الطحن

الخالة رحيلة، الأرملة، مازالت تحمل ألم قلبها، وتنتظر منذ نحو ثلاث سنوات استكمال ثمن عمليته الجراحية حتى تشفى. رحلتها باتجاه سوق القرية الأسبوعي مازالت مستمرة، تشتري أعشابا تظن أنها ما يبقيها على قيد الحياة..

 

النظرة على وجه الخالة ربيعة، التي ليست ضحكا ولا بكاء، كتبت عنها قبل أزيد من سنة أنه بالإمكان "وأنت تنظر إلى عينيها المغشيتين بحياء القرويات ودموع صامتة، أن يتجلّى لك معنى الآية القرآنية.. ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ))"

 

تتحرّج هذه المرأة العاملة من أن تطلب سلفة من مشغّلة، بل تتحرّج من طلب أجرها كاملا عندما تضيق ذات يد من تعمل لديهم، أو يقتّرون عليها، تقول "أعيش بكرم الناس، وبالرغم من أنني أعمل لديهم إلا أنهم في النهاية فقراء أيضا".. وأكتب عنها الآن لأنها مازالت "تمسح بطرف غطاء رأسها دموعها، وتنهض على عجل لمسح الأرض وغسل الثياب" ومازالت بدون حماية..

 

أخواتنا الذين استكملوا دراساتهم الجامعية، وطرقوا أبواب الوظائف (وليس بالضرورة أن يعملوا بذات مجال تخصصهم، تعلموا هذا الدرس) سجلوا لاجتياز اختبارات سلك الشرطة والدرك ورجال الإطفاء، ولوظائف التعليم العام والخاص، دائمة وفصلية، ولوظائف موسمية في التعليم الأولي، مع جمعيات تجمع أسماءهم وسيرهم الذاتية كمن يشتري ولاء انتخابيا، ومعظم رؤساء هذه الجمعيات منتخبون محليون!

 

وإلى أن يفرز عددهم الكبير، وتؤدي الوساطات مقصودها، يتظاهرون أمام البرلمان، يتلقون ضربات الأمن، يتخذون زاوية بأحيائهم، يتكئون فيها على الوقت، ويسحبون الحسرات والسجائر أيضا. يعملون ليوم أو أسبوع، مياومين بمقابل 10 دولارات لليوم، في أفضل الأحوال..

 

مدارسنا التي أصابها الشلل، ومناهجنا التي لم تستقر بعد أي تغيير أو ملائمة تقصد؟ كيف بإمكانها أن تنتقل بنا إلى محاربة الأمية الثقافية والسياسية! كانت مدارس وجامعات المغرب يدرّس تفوّقها، وكنا نتعارض مع الشرق فكرا وإنتاجا ونقدا ووعيا، من تغير؟ جودة التعليم أو الجيل؟ أو كل منهما نفر من الثاني إلى واد سحيق لم ينتبه المسؤولون لسنوات شقه! 

 

إنّنا المغرب وذلك يعني الحضارة والأصالة والقوّة والكدّ والبهاء والتنوّع الغنيّ، وعلى من يتقاسمنا كمسلمّ بطحنه وكغنيمة انتخابية، أن يعرف أن الدروايش ما بينهم وبين الحقّ على الأرض حجاب

رواتب الموظفين التي مازالت شحيحة بالرغم من أن العمل يتضاعف والطاقة تستنفذ، تجعل هذا الموظف بدين ثقيل لدى الجميع، بدءا من بقال الحي، وتجعل ذاك بئيسا ينشر بؤسه، في البيت والشارع والعمل، يظن أن على الجميع أن يدفعوا ثمن حرقته، لا ينجز ولا يتطور وليس سعيدا. وذلك الموظف، يجعل غيره يدفع فواتيره، تسريع استصدار ورقة إدارية، والنجاة من مخالفة مرورية، وتقديم ملف على آخر، وأمور من هذا القبيل ستنجزها في ظرف آخر، دون رشوة ودون اكتظاظ بسلاسة وبأمانة، لكنك تضطر للتعامل مع موظف بدون ضمير وبجيب مثقوب! 

 

أمينة الفيلالي وخديجة السويدي، المغتصبتان في جسديهما وفي حياتيهما، مازالتا بيننا.. كثيرات هن أمينة وخديجة يحمي مغتصبيهم النفوذ.

 

محسن فكري، وجعنا جميعا في المغرب الذي لم يهدأ، لما مات؟ أمي فتيحة، لما ماتت؟ الاثنان كانا بائعان بسيطين الأول للأسماك، والثانية للحلويات، وكلاهما تعرض للإذلال، وللقهر الذي تنصف معناه فقط كلمة "الحكرة" في اللهجة المغربية..

 

ماتت أمي فتيحة حرقا ومات محسن مطحونا، ونموت كشعب يوميا بذات القهر، ولا تنتهي القصة عند التحقيقات التي فتحت بشأن الواقعتين، بل تبدأ عندما نعرف أن سعر كيلوغرام من سمك السردين (الأكثر إقبالا عليه في المغرب) في الحسيمة، تحول بقدرة قادر بين عشية وضحاها من 40 درهما إلى 7 دراهم!  سماسرة الموانئ والصيد البحري من أنتجهم؟ من يحمي جشعهم وفسادهم؟

 

المغرب ليس بلدا فقيرا، لكنه بمسؤولين نخر الفساد أرواحهم، وجشعهم يحوّله إلى استثناء يبنى على تجاهل الأرقام التي تتقهقر بنا إلى أسفل قائمة محاربة الفساد والنمو الاقتصادي. ويبنى على تجاهل إملاءات صندوق النقد الدولي، وهي نافذة، ويضيّق على الفقير ويثري الغني، ويستقبل نفايات الآخرين أيضا! 

 

الشعوب تستحق الطحن؟ الشعوب تعمّر الأرض لتصبح الوطن.

 

إنّنا المغرب وذلك يعني الحضارة والأصالة والقوّة والكدّ والبهاء والتنوّع الغنيّ، وعلى من يتقاسمنا كمسلمّ بطحنه وكغنيمة انتخابية، أن يعرف أن الدروايش ما بينهم وبين الحقّ على الأرض حجاب!



حول هذه القصة

تظاهر العشرات من مناهضي العنصرية أمام السفارة الأميركية في لندن مساء أمس الأربعاء احتجاجا على فوز الجمهوري دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة في الانتخابات التي أجريت أول أمس الثلاثاء.

10/11/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة