حتى لا نكون سماعين للكذب

blogs - islamic
إن من أخطر ما تصاب به الأمم عموماً وما ابتليت به أمتنا هذه خصوصاً؛ هو ذوبان الهوية وتآكل الخصوصية. وأشد من ذلك خطراً ما ينشأ عنه من اختلاط المفاهيم وغياب التمييز بين العدو اللدود والصديق الحميم.

ويبلغ هذا الخطر مداه إذا توافرت لهذا العدو القدرة على التماس اليومي والمباشر مع الجماهير؛ خاصة في زمن الطفرة التقنية الهائلة أو ما يسمى بالعولمة الثقافية والمعلوماتية ومسح الهوية أو زمن الدعاية السوداء وشعارهم فيها: اكذب الكذبة مائة مرة تصدقها. وتبث هذا الكذب وتروج له قنوات فضائية فضائحية تواطأت على الكذب وممارسة الزيف والنباح ليل نهار على الإسلام والمسلمين فيما يشبه تسونامي إعلامي عالمي، تؤيده موجات من الإرجاف الداخلي والمحلي تعمل على اجتثاث ما تبقى من ثقافة هذه الأمة و ثوابتها؛ عن طريق حرف المفاهيم وقلب الموازين أو على الأقل تفريغ المضامين وتضليل العقول والوصول بها إلى حالة الحيرة والارتباك وتشوش الرؤى.

لا أفهم كيف تنقلب الصنعة على صانعها؟ بل كيف يكون المؤمنون صنيعة الكافرين؟ وما كان لعدو الله أن يصنع ولي الله.

فإذا انتصر جهاد المسلمين على قوة من قوى الاستكبار العاتية في الأرض قالوا: صنعته قوى أخرى فإذا قاتلوها بدورها قيل انقلبوا عليها.

وإذا رضيت بعض هذه القوى عن الجهاد رضي عنه الناس وصار أهله مجاهدين وإذا سخطت سخطوا وصاروا إرهابيين.

والمقاومة الإسلامية التحررية والثائرة على الديكتاتوريات العسكرية هي عصابات خارجة عن الشرعية تهدد السلام في المنطقة بل والسلام العالمي.

أما عن دعاة الإصلاح السلمي والحريات المدنية من أصحاب الحل الإسلامي فهم طلاب سلطة ورجعيون وأعانه عليه قوم آخرون. بل وتنفق الأموال الطائلة في دعم الأنظمة الاستئصالية المجرمة لتسفك دمائهم وتعتقل حرياتهم وتنتهك حرماتهم. ولا أدري كيف يثبت الأقلاء المستضعفون بأقل الإمكانيات في وجه القوى العظمى المستكبرة بل ويدمرونها إلا بعون الله؟

ولا أفهم كيف تنقلب الصنعة على صانعها؟ بل كيف يكون المؤمنون صنيعة الكافرين؟ وما كان لعدو الله أن يصنع ولي الله.

وكيف يقتل المجاهدون إخوانهم المسلمين وما خرجوا من ديارهم ولا لقوا عدوهم ولا أراقوا دمائهم إلا لنصرة الدين وحقن دماء المستضعفين.

وكيف يصير الدفاع عن الأرض والعرض والحق الذي تفرضه حقائق التاريخ وتحوطه تخوم الجغرافيا إرهاباً يعرقل مفاوضات السلام.

وكيف يصير الشهداء الذين تخصصوا في ابتكار فنون الموت في سبيل الله حنجوريين يطلقون النار في الهواء. بينا غيرهم عبيد جدى يرتعون في حمى الأنظمة.

وكيف يقال عن دعاة الحق والعدل والخير أنهم رجعيون وما أرادوا الرجوع إلا لله ورسوله ودينه، وكيف يطلب السلطة الألوف المؤلفة منهم ليفنى من قبلها منهم الجيل تلو الجيل. ومن منهم يا ترى سيتقلد مناصبها بعد ذلك. أهم الشهداء الذين قضوا وليس لهم من أمر الدنيا شئ أم هم المعذبون والقابعون في غياهب السجون وقد ضحوا في سبيل دينهم وأوطانهم بالغالي والنفيس.

كذب مفضوح ونفاق غبي وتهافت أرعن وحقائق مموهة فمن نصدق يا ترى في هذا الضجيج ومن نكذب. ولمن نلقي أسماعنا وأين الحقيقة وما هو الميزان الصحيح الذي ينبغي ان توزن به الأمور وترد إليه المفاهيم عند سماع الأخبار.

فإنه ليس شراً عند الله تعالى من ألسن الكذب إلا الآذان التي تعودت سماع الكذب والقلوب التي استمرأت قبول هذا الكذب.

وهذا المقال محاولة سريعة ومتواضعة لإرساء بعض أصول الفهم والنظر في قبول الأخبار والتحذير من سماع الكذب والعمل به. وحتى لا نكون سماعين للكذب.

فالصراع بين الحق والباطل هو ميزان الحقائق وهو الحكمة الكونية من خلق الناس وعليه قوام الدنيا وما فيها، وفي هذا السياق استحال زوال أحدهما قبل يوم القيامة لينفرد الآخر بالوجود! والحق ليس مصاحف معلقة ولا مناهج مجردة وإنما هو رجال تحمل منهج الحق لتنصره في معترك الحياة وتحققه في واقع الناس.

كما أن الباطل ليس عجلاً ذهباً وإنما هو أشخاص تحركهم نوازع الإثم وعبادة الطاغوت. فللحق أهلون باقون ما بقي الزمان، ولو كانوا مستضعفين غرباء، وإلى هؤلاء ينبغي أن ترد الحقائق فهم معيار لها وحكم عليها حتى إذا لم يبق في الأرض من يقول الله الله فقدت البشرية استحقاقها للبقاء وقامت الساعة على شرار الخلق.وإذا كان مصدر الخبر جزءاً من مصداقيته.

فكيف يصدق الكاذب ويكذب الصادق ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، وما كان لأمين أن يخون قط ولكن أؤتمن غير أمين فخان. حتى صار أعداء الحق حكماً عليه وعلى أوليائه ولا ينبغي أن يطاع الخصم عند العقلاء لخصومته فكيف إذا كان هو الحكم؟ فلابد أن يدق ناقوس الخطر إذا تحدث أعداء الإسلام عن فئة من المسلمين.

ولابد أن يريب الخبر العذب إذا أذاعته ألسن الكذب. فعجيب أن يتباكى سدنة الديكتاتورية وجلاوذة الظلم والطغيان الذين طالما ولغوا في دماء الشعوب المستضعفة على حقوق الإنسان وهم يهدرونها كل يوم وكل ساعة وعجيب أيضاً أن يتهم تجار الحرام وأكلة أموال الناس بالباطل؛ المؤمنين بأنهم يتاجرون بالدين. ليجتروا شعاراتهم البائدة وليزرعوا في لاوعي الشعوب المغيبة أن تعاطي الدين كالأفيون للشعوب.

إن نفوساً مردت على الكفر والنفاق وقصد مخالفة الأمر الإلهي والرأي المعصوم لهي نفوس خبيثة لها مقاصد خسيسة يستحق أصحابها الذم وإن أحسنوا والبغض وإن أصابوا.

وما ينبغي لأحدنا أن يحسن الظن بنفسه ويسيئه بغيره من المسلمين فهي ثلمة في الإيمان، وإذا كان المسلم الصادق لا يتصور أن يخرب بيوت الآمنين أو يروعهم فضلاً عن أن يخرب بيته بيديه أو يروع ذويه بمحض إرادته؛ فلماذا إذن يصدق ذلك في حق إخوانه وماذا إذاً بقي من إخوة الدين ووشيجة العقيدة؟!

وإذا كان الخطأ وارداً على خلق الله جميعاً فلماذا يصير خنجراً يوجه لظهور المؤمنين خاصة ولم يدع أحد لهم العصمة في اجتهاداتهم وخياراتهم الواقعية فالله تعالى لم يجعلهم ملائكة مبرئين ولا رسلاً معصومين وإنما جعلهم مكلفين مبتلين ترد عليهم الخواطر وتغشاهم الفتن كما تغشى الناس ويصيبهم من سوء التقدير أو عوارض الهوى ما يليق ببني آدم، وإنه مما استقر في العقول السليمة والطباع القويمة أن الفعل ليس مستقلاً بأحقية المدح أو الذم والخيرية أو الدونية، وإنما له عوالق أخرى لعل من أهمها الخلفية العقدية والمرجعية الفكرية التي يستند إليها وينطلق منها وإن نفوساً خضعت لأمر الله ورسوله وأبرمت أمرها على الطاعة وإن لم توافق المراد لهي أولى بالحق والخير. أصابت أم أخطأت وما تزال مغفورة مجبورة.

وإن نفوساً مردت على الكفر والنفاق وقصد مخالفة الأمر الإلهي والرأي المعصوم لهي نفوس خبيثة لها مقاصد خسيسة يستحق أصحابها الذم وإن أحسنوا والبغض وإن أصابوا، وبهذا المعنى تكون سيئات المؤمنين خير من حسنات المجرمين لا في ذاتها وإنما في بواعثها ومسبباتها قال تعالى "إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار"، فهم ليسوا سواء عند الله كما لا ينبغي أن يكونوا كذلك في عرف المؤمنين.وأخيراً: ينبغي أن نعلم أن كتاب الله تعالى فيه أصول الهدايات إلى الحقائق؛ ففيه الفرقان بين الحق والباطل وهو نور يقذفه الله في قلوب أوليائه فيميزوا بينهما.