الضابط موسى السوداني.. جندي عثماني ساهم في استقلال تركيا

blogs - mosque
إنه من المجهولين في التاريخ الحديث؛ حيث لا يوجد له أي ذكر في المصادر العربية؛ رغم دوره الكبير في "حرب الاستقلال التركية"، ودوره في محاولة إخماد الثورة العربية الكبرى لصالح الدولة العثمانية والحرب العالمية الأولى.. إنه (zenci musa) موسى الزنجي أو موسى السوداني.

إنه اسم ضابط المخابرات العثماني الذي لا يمكن أن ينساه الأتراك؛ لما أداه من دور بطولي في وقت حساس جدا من تاريخ تركيا الحديث.

ترجع أصول الضابط موسى إلى إقليم دارفور السوداني، حيث ولد هناك وكان والده كان جنديا في الجيش المصري، وكان مقر عمله في جزيرة كريت على البحر الأبيض المتوسط أيام ما كانت هذه الجزيرة تحت السيادة المصرية، وأرسله والده إلى إسطنبول لطلب العلوم هناك وليصبح ضابط في الجيش العثماني.

عاد الضابط موسى إلى إسطنبول وانضم إلى الجيش العثماني في "جنق قلعة" حيث قاتل هناك بكل بسالة ليمنع البريطانيين من السيطرة على مضيق الدردنيل.

تصادف دخوله للجيش العثماني مع الغزو الإيطالي لليبيا؛ حيث ذهب إلى هناك ليقاتل تحت قيادة مصطفى كمال أتاتورك، وهناك أعجب به الزعيم التركي؛ حيث وجده شخصا مناسبا جدا يتقن اللغة العربية ويفهم اللهجة الليبية ويستطيع التسلل خلف خطوط العدو بسبب لون بشرته الأسمر الذي لا يشبه لون الأتراك.

فكلفه بالقيام بالمهام خلف خطوط العدو، فقام بأدوار تجسسية ناجحة جدا وعمليات هجومية خاطفة؛ ساهمت في إنجاح المقاومة العثمانية للغزو الإيطالي المدعم بأحدث تكنولجيات ذاك الزمان؛ وهي الطائرات حيث شهدت تلك الحرب أول استخدام للطيران في الحروب ورغم هزيمة العثمانيون في عدد من المعارك، فإنهم حققوا انتصارا كبيراً في معركة طبرق ضد الطليان وانتهت الحرب باتفاقية أوشي (لوزان الأولى) حيث اختار العثمانيون الانسحاب من ليبيا لأن إسطنبول نفسها أصبحت مهددة بالغزو بعد أن اشتعلت البلقان وقام البلغاريون باحتلال أدرنة، فتم إرسال الجيش العثماني في ليبيا إلى البلقان وكان من بينهم الضابط موسى.

وسافر الضابط موسى إلى البلقان ليقاتل مع الجيش العثماني ولم تطل إقامته في البلقان؛ حيث وقع الخلاف بينه وبين الضباط الذين كانوا يديرون دفة الحرب في البلقان بسبب نظرتهم القومية الطورانية للحرب، بينما كان الضابط موسى لا يرى الحرب إلا على المرآة الإسلامية، وأن ما يحدث في البلقان وغيرها من حروب ضد الدولة العثمانية ما هي إلا مؤامرة من أجل تدمير الإسلام والمسلمين لا من أجل تدمير الأتراك كما كان ينظر الطورانيين، ومن أجل ذلك غضب الضابط موسى وقرر ترك الجندية في الجيش العثماني والعمل حمالا في ميناء إسطنبول، وكان يقوم بكفالة أسر أصدقائه من الذين استشهدوا في حرب البلقان من عمله البسيط عتالا في الميناء.

ولكن غضبه هذا لن يستمر طويلاً؛ فقد اشتعلت الحرب العالمية الأولى وأجبرت الدولة العثمانية على خوض هذه الحرب في تحالف مع ألمانيا ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا، واضطر الضابط موسى للعودة إلى الخدمة العسكرية من جديد ولكن هذه المرة ليقاتل في الجبهة العربية؛ حيث قام الإنجليز والفرنسيين باستثارة حماس القبائل العربية وإعطائهم وعداً كاذبا بمنحهم دولة عربية تحت سلطة الأسرة الهاشمية، والتي كانت تدعي أنها أحق بالخلافة من آل عثمان لأن الأئمة من قريش كما يقول الحديث الصحيح المشهور في البخاري.

أرسل السيد أحمد توفيق باشا والي اليمن نداء استغاثة إلى إسطنبول حيث أنه يواجه مهمة صعبة في كيفية دفع رواتب الجنود الذين معه، وهناك عدد كبير منهم بدأ يتمرد بسبب عدم دفع المال، وكان الباب العالي يواجه أزمة في كيفية إيصال المال إلى جنوده في اليمن، حيث كان الإنجليز يمنعون مرور أي سفينة عثمانية عبر قناة السويس، بينما كان أصدقائهم من المغرر بهم من "جماعة الثورة العربية الكبرى" يقطعون الطريق البري بين إسطنبول واليمن وقررت التشكيلات المخصوصة (اسم المخابرات العثمانية) إرسال الذهب برياً وعبر اختراق الصحراء، لأنها أسهل من الطريق البحري، وسافر الضابط موسى مع قائده أشرف بك إلى اليمن عبر الصحراء، ولكن البدو هجموا على قافلتهما وعندها قرر أشرف بك وموسى الانقسام؛ فواصل موسى لوحده السفر إلى اليمن ومعه الأموال، بينما ظل أشرف بك ومن معه من الجنود ليدخلوا في معركة مع "بدو الصحراء" انتهت بأسرهم وتسليمهم للجيش البريطاني الذي أرسلهم إلى سجونه في جزيرة مالطا حيث وجهت إليه عريضة اتهامات كبرى (أولها تورطه في دعم الانفصاليين الإيرلنديين بالإضافة إلى تدريبه شباب من البلقان على ضرب المصالح الإنكليزية هناك).

تقدم السن بالضابط موسى الذي كان بلا زوجة ولا أطفال فعرضت عليه الحكومة أن تمنحه معاشا شهريا لكنه رفض وقال هذه الأموال هي من حق الفقراء وليست من حقي.

ووصل الضابط موسى إلى اليمن، وهناك سلم الأموال إلى قائد الفرقة التاسعة أحمد توفيق باشا، واستطاع دعم صمود تلك الجبهة مما أحبط مخططات الإنكليز وعاد موسى إلى إسطنبول وانضم إلى الجيش العثماني في "جنق قلعة" حيث قاتل هناك بكل بسالة ليمنع البريطانيين من السيطرة على مضيق الدردنيل، وانتهت الحرب العالمية الأولى والبريطانيون قد سيطروا على أغلب الأناضول وعلى العاصمة العثمانية إسطنبول، وأصبح الخليفة العثماني في يديهم كالأسير، وعندها انضم الضابط موسى إلى المقاومة التركية في الأناضول تحت قيادة مصطفى كمال أتاتورك (قائده السابق في الجبهة الليبية)، وكان موسى ينفق على نفسه من العمل حمالا في ميناء إسطنبول.
 

ويقال في أحد الأيام لقيه القائد العسكري البريطاني هارينتغون أثناء مروره في منطقة قره صوي فنادى عليه وسأله هل أنت موسى الذي أفسد خطتنا وأدخل الليرات الذهب إلى اليمن؟ فأجابه بالإيجاب؛ فعرض عليه القائد الانجليزي أن يتعاون مع الاحتلال البريطاني لأنه شخص موهوب ومن الظلم أن يعمل مثله عتالا في الميناء والدولة العثمانية التي قاتل في سبيلها قد انتهت؛ فأجابه موسى "إن عرضكم هذا إهانة لي؛ فلا يمكنكم أن تعرضوا أي عرض أمام أي شخص وأنا لا أعرف إلا العلم الأحمر ذو الهلال والنجمة" وتقدم السن بالضابط موسى الذي كان بلا زوجة ولا أطفال فعرضت عليه الحكومة أن تمنحه معاشا شهريا لكنه رفض وقال هذه الأموال هي من حق الفقراء وليست من حقي وأنا سأعمل حمالا لأوفر المال.

ويستمر الضابط موسى في ممارسة العمل الشاق في الميناء إلى أن ينهكه مرض السل فيودع روحه في تكية الأوزبك في أسكودار عام 1919م بعد حياة شاقة. وقد خلده الشاعر التركي محمد عاكف بقصيدة قال فيها:
أما موسى الزنجي حاجب السيد أشرف، فيعير كتفيه للرسول، ويمكن لعيسى أن يصعد بفضل هذا إلى السماء
 

ملحوظة: بالغ الشكر للأستاذ عبدالقادر عبداللي الذي ساعدنا في تحرير هذا المقال الذي لا توجد أي مصادر له سوى المصادر التركية.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان