محمد كمال ذلك الفذ

blogs - mohamed kamaml

بدماء أستاذ الطب محمد كمال كتب النظام رسالته الواضحة بما لا يحتمل اللبس أو التأويل مفادها أن عزف الرصاص هو اللغة الوحيدة التي يستطيع أن يتعامل بها أو يفهمها وأنَّ إقصاء الإسلاميين من الحكم لم يكن كافياً وإنما إبادَتهم ومحو ذكرهم هو النهاية الحقيقية للمهمة. 

لكن الدكتور محمد كانت لديه مهمة أخيرة أيضاً يسطرها بالدماء وقد استطاع أن يتمها قبل أن يقتل -وفي الله مقتله- مفادها أن القيادة المسلمة قادرة على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار الصحيح والتجدد بحسب معطيات المرحلة، ورغم عدم استعدادها المسبق وميراث الأخطاء اللامتناهية من سلفها، وأنها مستنبتة كأن القيادة فينا لا تفنى ولا تستحدث من العدم وهي باقية ببقاء هذا الدين نفسه.
 

الناس كلهم يموتون إلا الشهيد؛ فإنه يستشهد وكأنه يخط شهادته في السطر الأخير من دروسه القيمة حين يثج الدم القاني!

فمحمد كمال ذلك الذي كان شديد الولاء لجماعته ومنهجها السلمي الموسوم بالإصلاحي استطاع أن يستدعي التأصيلات الشرعية الصحيحة في التعامل مع المرحلة بحسبها دون جنوح فكري أو شطط شرعي فوجد في فقه دفع الصائل ومواجهة الطوائف الممتنعة والخارجين على الأئمة مندوحة عن التكفير وأحكام الردة. 

وعلى المستوى الحركي لم ينتحِ الدكتور كمال جانباً أو ينفصل ويشق عصا جماعته وإنما كان هو تلك الجماعة التي اختلطت بلحمه ودمه وكان هو أحد كوادرها الرئيسية في الصعيد في طور التأسيس الثاني بعد انتهاء فترة المحنة الناصرية، حيث كان أحد رواد الجماعة الإسلامية بجامعة أسيوط قبل عزل أميرها وانحيازها لجبهة ناجح إبراهيم آنذاك -أو الخط العنيف ثم المسلح بعد ذلك- حتى كان هو خامس خمسة قد بايعوا الإخوان هناك وعلى أكتافهم قام تنظيمها في الجامعة والصعيد. 

عفواً إذ يبدو أنني نحوت بمقالتي هذه إلى التأريخ والتقعيد متناسياً واجب العزاء أو متجاوزاً عن غير قصد حيز اللطمية، ربما لأن هذا هو منهجنا أصلاً وربما لأن طبيعة قادتنا -نحن الحركة الإسلامية- ومنهم د.كمال تفرض علينا ذلك، فكل حركة منا ومنهم أو سكنة هي في طيات قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). نعم لئن ماتوا فالناس كلهم يموتون إلا الشهيد فإنه يستشهد وكأنه يخط شهادته في السطر الأخير من دروسه القيمة حين يثج الدم القاني!

 
نعم كُنْتُ امرءً تتمارى الكلمات بقلمي فيجرى كالسلسبيل خاصة إذا ذكرت إخواني أو رثيت خلاني وكلهم كذلك من رأيت منهم ومن لم تكتحل بهم عيناي، أولئك الذين عاشوا مثلي وأموت كما ماتوا، جمعنا الحق وما فرقنا الموت فما أقرب المدخل والمخرج، أولئك قوم يكفيك في ذكرهم أن تحن الأرض إليهم وتبكيهم السماء، غير أني كففت عني ذلك فما كان ليرضيهم إلا أن تذكر فعالهم وخصالهم ليقتدي الناس بها وتتم بذلك النصيحة التي ابتدأوها وما فارقوها حتى أَسدَوها لقومهم ودعوا لهم بعد إذ دعوهم ولو كانوا في الجنة شهداء بأيديهم حتى قائل قائلهم: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ). 

نعم كان لابد أن يقتل محمد كمال البروفيسور في الطب وأحد أمهر جراحي مناظير الأنف في مصر وأمثاله من خيرة كفاءات مصر العلمية والتقنية، أم هل يرضيكم أن تذكر مصر فيضحك منها العالمون إذا ذكروا علاجات الفيروس بالكفتة والتوكتوك الطائر وراقصات الميادين وغيرها مما تعير به الأمم في التاريخ؟ لا والله وإنما يقتل كمال وأمثاله لِتُذْكَرَ مصرُ بهم ولو شهداء على ثراها فهم يمثلون الصراع بين العلم الفاقد والجهل الحاقد في مصر كما مثل أبناؤهم الصدام بين شيخوخة النظام الصدأة وحيوية الشباب الثائرة السائلة في كل ربوعها. 

وكان لابد أن يفتقر الفقراء في مستشفيات جامعة أسيوط التي كانوا يدخلونها كأنهم أقارب د.كمال وهو لا يعرفهم كما يفتقدون العمليات الأقل أجراً والأكثر جودة التي كان يصر على إجرائها لهم رغم الداء الذي يفتك بقلبه، سواء في عيادته الخاصة أو في الجمعية الطبية الإسلامية التي أسسها وزميل له. 

غير أني لا مناص لي ولابد من أن أعرج مضطراً وعلى مضض إلى ذلك الصراع الذي اشتد بين فريقين حتى سرى في كيان الجماعة بين القديم والجديد وبين الحكمة العجوز -أو هكذا تبدو-، والواقعية الجسور -أو هكذا تغدو- وهو ما هيجه استشهاد القائد محمد كمال باعتباره كان ممثلا للجناح الثاني، ولكننا للأسف كنا نعبر في الحقيقة عن أزمتنا لا حزننا بمقتل الأخ الشهيد د.كمال وأخيه ياسر شحاتة فمنا من صنع مناحة ومنا من صب اللعنات على الفريق الآخر من نفس الجماعة وفي نفس الصف خاصة من كانوا قادة بالأمس وربما اليوم أو الغد شئنا أم أبينا وهم محل اعتبار عند فريق لا بأس به من إخواننا!
 

المهجرون على تخوم بلاد الإسلام تحسبهم والخيل شيئاً واحداً من شدة الحَزم لا من شدة الحُزُمِ أولئك الذين قالوا للظلم: لا يوم عتى وتجبر!

نعم رحنا نجلد ظهورنا بأيدينا ونخمش وجوهنا بأظفارنا أو نرضخ رؤسنا بالحجارة، تركنا المجرم الحقيقي إذن ورحنا نوزع الاتهامات بيننا ويكأننا نفرق دماء إخواننا التي لم تجف في القبائل!

ولعل في هذا أوضح دليل على مقدار اختراق عدونا لرؤسنا بعد اختراقه لصفوفنا، وما كان الشهيد ليرتضي هذا وأنتم أعلم الناس بحبه لإخوانه، وسلوا رفقاء زنزانته من قبل وتلاميذ كليته ورفاق دربه، ولو شاء لترك جماعته وانقلب عليها لكنه بقي فيها -رغم التنازع- حتى آخر لحظة!

والآن أقول لأخوي الشهيدين: ارقدا وارتاحا فقد حانت ساعة السكينة تحوم فوق رؤوسكم طيور العزة والوقار وأكاليل الغار وما كان ربكما نسيا -حاشاه- فقفا وتأملا واشْهَدا أمةً كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، ووالله لا ينساها الله لهم ولَيعْمَلَنَ اسمُهُ الجليلُ فيهم عملاً يحيرُ عقولَ الأيام، فقط قفا إجلالاً وتعظيماً ووجلاً، إنا معكما واقفون، وانظرا ما يجري وما يحدث فهذا نهر جف وأرزاق انقطعت وأسعار غلت وفتن ظهرت ومحن أوبلت، وما بقي إلا أن تأتيهم الزلازل مدوية والريح عاتية. 

وإن بني إسرائيل لما عبدوا العجل قتل بعضهم بعضاً بأيديهم فقد عرفتم ما عبادة العجل فأبيتموها، فوالله ليفتنن بعضهم بعضاً بأيديهم، وإني لا أرجو لهم ذلك أبداً لكنه حاصل لا محالة وأسال الله العافية فنحن من الناس ومعهم ومن قال هلك الناس فهو أهلكهم.
 

لكن لعل قضاء الله أن يلطف بنا فلا نحشر معهم في الآخرة وقد فارقناهم في الدنيا، وأبشرا فمن قلب أطلال المحنة ستبدو دفائن حضارة قديمة لنبني مجدنا من جديد، فلا ينبغي اليأس إلا يوم ألا يبقى منا من يخوض الصراع معهم، فإن قال قائل: فهل ثمة من يخوض قلت: نعم 

المطاردون الذين أخرجوا من ديارهم وأبنائهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، والمأسورون ظلماً في قعر غيابات السجون من غير ذنب جنوه إلا أنهم عافوا الظلم وحادوا عن دروب الظالمين. 
المقتولون المُسَجَون هناك تحت الثرى تغلي دماؤهم لتقول: أي رب فيم قتلوني؟!

المهجرون على تخوم بلاد الإسلام تحسبهم والخيل شيئاً واحداً من شدة الحَزم لا من شدة الحُزُمِ أولئك الذين قالوا للظلم: لا يوم عتى وتجبر!

يا دكتور محمد يا أخي إن قوماً قتلوك ويوماً قتلت فيه، لا القوم قومي ولا الزمان زماني.