النزعة الأموية عند السلفية المعاصرة (1)

blogs - salafi
(1)
توفي النبي صلى الله عليه وسلم دون تعيين واضح للخليفة بعده. نعم كانت هناك إشارات وتصريحات تبين أولوية الصدّيق، حتى اعتبرها بعض العلماء بمثابة النص، لكنها لم تكن تعيينًا واضحًا علنيًّا في المنصب. تلك الإشارات مع مكانة الصديق التي لم تكن تعدلها مكانة، فضلًا عن سماته الشخصية وسياسته: كل ذلك لم يجعل خلافته معرضة لإشكال داخلي.

الأمر نفسه تكرر مع صورة أوسع زمنيًّا مع خليفته عمر، فقبيل وفاة الصديق عيّن عمر من بعده إمامًا مع قبول واسع من الصحابة، وعمر بدوره حصر الخلافة بعده في الستة الباقين من كبار الصحابة؛ لينتهي الأمر إلى خلافة عثمان رضي الله عنه، والتي بدأت الفتنة في شطرها الثاني تذرُّ بقرنها. فبوصول عثمان إلى السلطة تقلدت بنو أمية الحكم لأول مرة. فرغم انتساب الشيخين لقبيلتين معروفتين، إلا أنها لم تكن ذات عراقة مكافئة للقطبين الكبيرين: هاشم، وأمية الذيْن كانا فرسي رهان في الجاهلية، وهذا الذي ألقى بظلاله على السياسات السلطوية والاقتصادية في أواخر عهد عثمان، ما تسبب في حالة من التذمر استغلها بعض الرعاع في تثوير العامة في فتنة عريضة انتهت باستشهاد الخليفة الراشد عثمان، وتولي علي للخلافة في ظرف شائك سياسيًّا ودينيًّا في ظل احتقان بعض رؤوس الصحابة جراء اغتيال عثمان، فضلًا عن اشتعال الجبهة الشامية أموية الولاء بقيادة معاوية، كشيعة طبيعية لعثمان.

آل ترسّخ معاوية في السلطة عشرين سنة إلى فشوّ مظاهر المُلك السلطاني، الذي انتهى بتوليته يزيد الخلافة من بعده كما هي عادة الملوك في العالم القديم

ومهما كان من انتقاد على بعض سياسات عثمان، إلا أن فضيلة عثمان الشخصية، وحسن طويته، وتأويله في عامة ذلك؛ لم يكن معه من الممكن أن نقرأ تاريخ عثمان كتاريخ أموي، إلا بنوع من الإفراط من الأدلجة – كما في القراءة الشيعية مثلًا -. نعم هناك بوادر للميول الأموية، يمكن تلمسها من تصريحات أبي سفيان ومعاوية وغيرهما، لكن لم يكن قد تدشن معه فعليًّا تشيع أموي في تلك الفترة، كما لم يكن تطوّر تشيع علوي دقيق حتى تولى علي السلطة رغم وجود بوادر علوية سابقة.

(2)
لكنّ الأمر تطور بعد وصول عليّ للسلطة. تمثل ذلك في الوضع الإشكالي الذي تقلّد فيه السلطة، ومعارضة بعض كبار الصحابة كطلحة والزبير، وتنفّذ قتلة عثمان في مواقع السلطة، وصلابة المعارضة الشامية التي وصلت إلى حد الحرب في وقعة صفين، التي لم يعد بعدها المسلمون كما كانوا قبلها. ورغم انتصار عليّ على الخوارج وانتقال السلطة إلى الحسن بعده، إلا أن جميع المعطيات قد أدت إلى تنازله عن السلطة إلى معاوية، ومن هنا انتقل مركز السلطة أخيرًا وبصورة نهائية إلى البيت الأموي بعد خروجه عنه إلى البيت الهاشمي، وخرجت عاصمة الخلافة من المدينة – وفي الواقع أنها كانت قد خرجت إلى الكوفة في عهد عليّ – إلى دمشق ولم ترجع إليها مرة أخرى.

آل ترسّخ معاوية في السلطة عشرين سنة إلى فشوّ مظاهر المُلك السلطاني، الذي انتهى بتوليته يزيد الخلافة من بعده كما هي عادة الملوك في العالم القديم في فارس والروم، مستعملًا في ذلك الرغبة والرهبة. عارض ذلك جماعة من الصحابة، منهم الحسين، الذي خرج إلى شيعة أبيه في الكوفة في محاولة لاستلام السلطة، لتعترضه قوات يزيد بقيادة عمر بن سعد الموفد من عبيد الله بن زياد بن أبيه والي الكوفة، التي قتلته مع غلب أصحابه، ولم تقبل منهم رغبتهم في الرجوع من حيث أتوا أو الانعزال عن الحياة السياسية كما عرض الحسين حين تيقن من خذلان الكوفيين له وإحاطة قوات يزيد به.

(3)
يمكننا القول أنه: من لحظة الاشتباك بين سلطة العراق وسلطة الشام في عهد علي: يمكن تلمس مفهوم النزعة الأموية عمومًا، سواء كنزعة سياسية سلطوية، بمظاهرها التاريخية العديدة، التي بلغت أوجها مع تقلد معاوية وتعيين يزيد ثم امتداد الحكم الأموي إلى البيت المرواني، وهذا ليست موضوعنا، أو – وهو ما يعنينا في ذلك المقام – النزعة الأموية كنزعة تفسيرية ورؤية تأويلية وقرائية للتاريخ، وهذا بطبيعة الحال كان أمرًا لاحقًا على تلك الأحداث.

مفهوم النزعة الأموية إذن يتبلور في القراءة التاريخية التي تتخذ موقفًا دفاعيًّا مطلقًا، أو تأويليًّا – في أحسن الحالات -؛ تجاه السياسات الأموية التي شكلت حرْفًا عن قيم الإسلام في الحكم، وما استتبع ذلك من آثار عقدية وعلمية. تلك القراءة تتشكل من أول الدفاع المحض عن جميع سياسات عثمان، والذي نظرًا لاشتباكه بقضية الصحابة، ذات المنزلة المهمة إسلاميًّا بعموم وسنيًّا بخصوص؛ لم تتخلص كمنظور أموي، بل اشتبكت معها وتأثرت بها نظرات أخرى = ووصولًا إلى القراءة الأموية التبريرية لحرب معاوية مع علي، على مستويي التفسير التاريخي والقيمي، فضلًا عن العهد ليزيد، وتقويم شخصية يزيد نفسه دينيًّا وسياسًّا، ووصولًا إلى جرائمه، التي من أهمها مقتل الحسين، والذي يشغل الكلام عنه مساحة واسعة في هذا الشهر – المحرم -. هذه النزعة وجد لدى بعض المؤرخين قديمًا ولكننا هنا نرصد بالتحليل والتقويم تلك النزعة الأموية لدى السلفية المعاصرة.

(4)
السلفية المعاصرة ظاهرة إسلامية معروفة الملامح، ترجع أصولها القريبة إلى نشاط الدعوة الوهابية في القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر، ولكنها بدأت في التكون الفعلي عقب قيام الدولة السعودية الثالثة في الثلث الأول من القرن العشرين، وأصبح لها علماؤها ودعاتها وشعاراتها العلمية وخياراتها الدعوية المعروفة، في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

وضمن مُجمل اشتغال تلك السلفية العلمي، وكما تشتغل في مجالات العلوم الدينية المحضة، في العقيدة والفقه؛ اشتبكت بطبيعة الحال مع المجال التاريخي لما له من بُعْدْ عقدي. فالعقيدة محورية في التصور السلفي الإصلاحي. ويشترك التاريخ مع العقيدة في كونهما مجالين خصبين للسجال العلمي السلفي، وغير السلفي بالمناسبة، فالتاريخ من السهل أن يأخذ منحى عقديًّا، فكل غيب يمكن تطويره كعقيدة، بخلاف العلوم ذات الطبيعة السائلة والمتجددة.

نحن نلاحظ أن السلفية المعاصرة، في اشتغالها، وقراءتها، وخطابها: التاريخي، تتخذ منزعًا أمويًّا. يمكن تلمس ذلك في دلائل ومظاهر.

تتمثل تلك النزعة في تبني التفسيرات الموافقة للأمويين، كالتبني المطلق للدفاع عن سياسات عثمان، واعتبار أي انتقاد لها خروجًا عن طريقة أهل السنة والجماعة. وإن كان من الصحيح أن الموضوع مشتبك هنا مع قضية الصحابة، التي هي شأن سني مهم، يظهر فيها اللحاظ السُّني أكثر مما يظهر الأموي، وهذا قد يكون سببًا للاشتباه في إنتاج الخطاب نفسه بالمناسبة، بمعنى أنه يمارس تأثيرًا في لاوعي المؤرخ السلفي التقليدي.

ولكن هذه النزعة الأموية تمتد بصورة ما إلى حرب علي ومعاوية، مع نفس الاشتباه السابق، فنحن في نهاية الأمر نقرأ حربًا بين الصحابة. إلا أن النزعة الاموية تشتد هاهنا، فمع أن الخطاب العلمي العام للسلفية لا ينفي فضيلة عليّ الذاتية وعلى معاوية ولا استحقاقه للخلافة وقد تصرح بتصويب حربه؛ إلا أنها تتحرج كثيرًا من توصيف حرب معاوية على أنها ضد بغاة، وغالبًا ما يجري التعامل معها على أنها فتنة، وعلى الرغم من كثرة مداليل الفتنة، وأنها تصدق ببعض تلك الدلالات على حرب صفين بلا إشكال، إلا أنها تطلق في السياق السلفي على المعنى الذي يوحي بعدم التحيز إلى فريق لاشتباه الحق بالباطل فيها.

وهذه النزعة الأموية إن أطلقت على تلك الحرب أنها قتال بغي – مع بعض التحرج – بسبب ثبوته صراحة في حديث عمار: (تقتلك الفئة الباغية)؛ إلا أنها لا تبحث أكثر من ذلك في عوامل ومظاهر ذلك التوصيف، وقد يتذرع ذلك بالقاعدة التي اعتمدها كثير من العلماء حول الكفّ عما شجر بين الصحابة، ولكن الكفّ غير التأويل والتحريف والإنكار الذي نلحظه في تلك القراءة، التي تُظهر الحرب في كثير من الأحيان بصورة طوباوية وردية مجافية للتاريخ وطبائع الأشياء، فضلًا عما نحن بصدده من النزعة الأموية التي تمتد إلى نفي وقائع برمتها، كإنكار واقعة التحكيم على الصورة المشهورة المتواترة تاريخيًّا والتي فيها المناداة بخلافة لمعاوية ومحاولة خداع أبي موسى الأشعري رسول علي، والتي قبِلها مؤرخو أهل السنة جيلًا بعد جيلٍ، ومنهم المؤرخون النقاد كابن تيمية والذهبي، وما ترتب عليها من انشقاق السلطة، وتسمٍّي معاوية بالخلافة مع وجود علي حتى وفاته.

تشع النزعة الأموية وتتبلور بجلاء في الموقف من استشهاد الحسين. نظرة (الحسين المخطئ) هي المخيمة على القراءة التاريخية للسلفية.

هذا فضلًا عن التكتم التام تجاه سياسات معاوية في الحكم، وعدم تجلية مناط كونها مُلكًا لا خلافة نبوية راشدة، بل التعامل معها في كثير من الأحيان على أنها خلافة، بلسان الحال، بل والمقال أحيانًا، مع كون النبي قد سماها مُلكا، ومع إنذار النبي بأن أول عرى الإسلام انحلالًا: الحُكم، في إشارة لحكم الأمويين، لكن هذا كله ليس له أثر في الكتابة التاريخية السلفية التي لا تتلمس تلك الملامح من ملكية حكم معاوية، وإن ذكرت ذلك اختزلته في تولية يزيد العهد فقط، بل إن بعض تلك الكتابات تدافع عن شرعية تولي يزيد، وأنه قد بويع بيعة صحيحة. ومن الصحيح أيضًا أن هناك اشتباكًا ما في حالة معاوية بين التاريخي والنصي هنا لأجل الصحبة، مع تقلص ذلك الاشتباك نتيجة وجود نصوص خاصة في الموضوع تبين الأخطاء والموقف منها.

(5)
إلا أنه، وعلى كل حال؛ فإن ذلك لم يعد موجودا في حالة يزيد، الذي ليس صحابيًّا، ولا محمود السيرة أصلًا، وبخاصة مع سياساته الإجرامية في فترة حكمه المقتضبة، فضلًا عن قصوره الشخصي من جهة العدالة والجدارة.

تشع تلك النزعة الأموية وتتبلور بجلاء في الموقف من استشهاد الحسين. نظرة (الحسين المخطئ) هي المخيمة على القراءة التاريخية للسلفية. ثم تتنوع تلك الدرجات من (الحسين المخطئ). فأعلاها ما يتعلق بكونه خرج على إمام زمانه صحيح البيعة، وهذا يشيع في الخطاب الجامي، وبعض العلمي القريب منه. وأقرب منها ما يغض الطرف عن حكم خروج الحسين أصلًا لكنه يتكلم باستمرار عن خطأ الحسين في تقدير الخروج، فيما يشبه الاعتذار عنه بكونه كان مغفلًا، ويتضمن هذا التخطئة في الخروج نفسه ويستدل بأحاديث السمع والطاعة ونصح بعض الصحابة له بعدم الخروج، ولكنه لا يجلّي ذلك كثيرًا اعتبارًا لمقام الحسين كصحابي – كما جرى التعامل مع أخطاء معاوية كصحابي – مع التصريح بأن قتله كان جريمة، لكن هذا لا ينفي أن خروجه كان خطئًا، هذا يشيع أكثر في الكتابات السلفية العلمية وبعض الحركية المحافظة. ثم يمتد ذلك للموقف من مسؤولية يزيد عن قتل الحسين، فمنهم من لا يرى له مسؤولية، وينيط ذلك بعبيد الله بن زياد وغيره ممن باشروا القتل، ومنهم من يرى تلك المسؤولية منحصرة في عدم معاقبة القتلة، وهذا يعتبر تطويرًا أكثر تسامحًا للموقف التيمي، الذي اشتد على يزيد كثيرًا واعتبر ذلك نوعًا من المسؤولية شبه المباشرة، التي تقارب الرضى بالجريمة، فحتى تلك النظرة التيمية عن مسؤولية يزيد لم تعد موجودة بذلك الوضوح، واقتصرت على تخطيئ خفيف، كما سنذكر بعد ذلك.

ومن الصحيح – كما كان الحال في التصريحات حول فضل علي وتصويبه – أن التصريحات السلفية كثيرة حول فضل الحسين وأنه قتل شهيدًا مظلوما، فهذا لا إشكال فيه، ولا يمكن أحدًا أن يدعي بصدق أن خطاب السلفية خطاب ناصبي، إلا أن ما نتلمسه هاهنا أن هناك (نزعة أموية) تستبطن في كثير من الحالات: صحة الموقف المبدئي – لا المآلي – من يزيد تجاه الحسين! فمبدأ خروج الحسين في أحسن الأحوال هو خطأ من أخطاء الصحابة التي تطوى ولا تروى، وتغتفر لهم بالتأويل وتحسين الظن، كغيرها من اجتهادات الصحابة الشاذة.

وجدت تلك القراءة السلفية ملجأ في قراءة ابن العربي الفقيه المالكي ذي النزعة الأموية الواضحة، كما نجد في كتابه: (العواصم من القواصم) في القسم الذي خصصه لتلك الأحداث التاريخية. ذلك الكتاب الذي غلا فيه ابن العربي كثيرًا وركب فيه السهل والصعب لنفي حوادث تاريخية ثابتة أو تأويلها، فابن العربي أول من تولى الدفاع المطلق عن كل سياسات عثمان، وأول من نفي أن آية (إن جاءكم فاسق بنبأ) قد نزلت في الوليد بن عقبة، وأول من نفي وقائع التحكيم المعروفة بين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص، وأول من قال إن الحسين قُتل بالتأويل الشرعي لا الجريمة السلطوية، فهو من قال عن قتل الحسين: (وما خرج إليه أحد إلا بتأويل، ولا قاتلوه إلا بما سمعوا من جده المهيمن على الرسل، المخبر بفساد الحال، المحذر من الدخول في الفتن. وأقواله في ذلك كثيرة: منها قوله صلى الله عليه وسلم: «إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان». فما خرج الناس إلا بهذا وأمثاله)، فيالله العجب! أين الرعاع شذاذ الآفاق الأجلاف كشمر بن الجوشن، وحصين بن تميم، وأمثالهما من التأويل أو العلم بالدين، وأين في تصريحاتهم والمنقولات التاريخية ما يدل على ذلك أصلا؟ كيف وقد تذرع بشق الجماعة في قتل الحسين جماعة من الكوفيين الذي أرسلوا إلى الحسين بخلع طاعة يزيد! فنحن بصدد جريمة سياسية، القتل فيها للدفاع عن السلطة، دون حاجة إلى تبرع بتأويل ديني.

تستمر النظرة التاريخية المحافظة المغلقة للسلفية المعاصرة لتشمل حكم يزيد، حتى برّأ بعض الباحثين يزيد من وقعة الحرة التي استباحت فيها قوات يزيد المدينة النبوية.

وقد تبنت السلفية المعاصرة تلك القراءات لابن عربي منذ قديم، فقد طُبع الكتاب أول ما طبع ردًّا على سيد قطب، وانتقاداته للصحابة وبخاصة عثمان والأمويين في كتبه، وبخاصة العدالة الاجتماعية في الإسلام، وطبعته الأولى علق عليها واحد من الوجوه السلفية في ذلك الوقت: محب الدين الخطيب، الذي ملأه بحاشية زاخرة بتعليقات تظهر فيها تلك السمة الأموية أيضًا، وجارت في كثير من الأحيان على المنهج العلمي الموضوعي. وفي الجملة مازالت معالجات السلفية المختلفة لأحداث الفتنة بمثابة الحواشي والتأكيدات للعواصم من القواصم. متجاهلة نماذج كالقراءة التيمية والذهبية – نسبة للذهبي – لتلك الحوادث التاريخية مثلًا. رغم أنها أقوى علميًّا بكثير، وأصدق موضوعية، وأقرب لطريقة السلف، فنحن نلاحظ أن ابن العربي أشعري متعصب، وإن كان من الصحيح أن الأشاعرة لا يخالفون الاتجاه السلفي في مسائل الصحابة، ولكن المقصود أن ابن تيمية أقرب وشيجة للسلفيين في منزعه كما هو مفترض على كل تقدير.

إذن تستمر النظرة التاريخية المحافظة المغلقة للسلفية المعاصرة لتشمل حكم يزيد، حتى برّأ بعض الباحثين يزيد من وقعة الحرة التي استباحت فيها قوات يزيد المدينة النبوية لقمع ثورة أهلها ضد يزيد والرجوع عن بيعته، بل امتد ذلك ببعض الباحثين بتبرئة الحجاج بن يوسف الثقفي المجرم الأموي الشهير؛ في اشتباك تاريخي ديني أيديولوجي معقد، يزداد أدلجة عند كاتبي التاريخ السلفيين الحركيين لينتج هذا التصور الشائه والطوباوي للخلافة  -بالمعنى التاريخي- لأغراض أيديولوجية وسياسية في كثير من الأحيان، رغم أننا لا ننفي ارتباطها بنيات حسنة، كإحياء قيمة الخلافة والدفاع عن (التاريخ المفترى عليه). ولكن هل يكون الدفاع عن التاريخ المفترى عليه؛ بمزيد من الافتراء عليه؟!

وختاما فإنه لا شك في وجود أصوات سلفية أخرى تخالف تلك النزعة الأموية، لكننا دائما ما نتحدث عما يشيع ويصبغ الخطاب السلفي المعاصر التاريخي نحو تلك الحوادث التاريخية بالصبغة الأموية.
في الجزء الثاني نتكلم عن أسباب تلك النزعة الأموية برأينا، وعن الموقف المتوازن منها.