مثقفُنا.. منا وإلينا

blog-مثقف

المثقف هو عبارة عن "موزاييك" من الألوان المختلفة، حيث يجد كل شخص ما يريده من الألوان وما يمتع نظره، وما يشد انتباهه.

المثقف في دول الغرب هو شخص له حياة واحدة متداخلة جزئياتها، يطبق على نفسه كل ما يفكر به وكل ما نظر له، كتجربة الأمر على نفسه أولاً، لكي يضمن عدم إلحاقها لأضرار بالآخرين، ثم يذيع الفكرة للآخرين الحريصين على التغيير والتطور والمحافظة على المكاسب وعدم الرضا بما أقل منها.
 

يجب على كل شخص أن يكون مثقف لنفسه من ناحية أولى، ثم مثقف لمجتمعه في مرحلة ثانية، فينقد ويفضح وينصح وينظر، دون أن يرتجي شكراً أو تكريماً من أي أحد.

في الدول العربية فإن المثقف له أكثر من حياة واحدة، وليس ذلك بكرم من الله وإنما تخفيف من مصيبة الواقع، فالمثقف عندنا، له حياة يئن فيها ويتمخض ليضع أفكاراً مفادها حث أمته على التطور والتقدم، وله حياة أخرى منفصلة عن الأولى، هي حياة يعيشها ما لصالحها بقية أفراد أمته.

يجب أن نحترمه، وأن نحترم رباطة الجأش عنده، وأن نحترم قدرته على ترجمة العربية لنا وعلى تفسير ما لا يفسر، فهو يحاول تبسيط الأشياء لنا، وفي التبسيط معاناة لا يشعر بها غيره، فهو يبذل جهد الإبداع وجهد التبسيط، ومن يبسط الأمور للعامة هو المثقف الإيجابي الذي يسعى إلى الإفادة.

ومن يترك كلامه مجرد مادة خام فهو فاشل، والفشل صفة لا تطلق سوى على البعض الذين ليس لهم روح الكفاح، والذين لا يتبنون قضايا شعوبهم الفوضوية، شعوب أنهكتها مراحل قاسية من التاريخ، فتحاول كل مرة الوقوف، ومسح الغبار عن جسدها المنهك، ولملمة جروحها التي سرعان ما تزداد عمقا عند محاولة علاجها.

يجب أن لا تكون الثقافة حكراً على قلة قليلة من الأشخاص، أولائك الذين تدعمهم وزارة الثقافة أو الآتين من اليسار أو الذين تقف وراءهم منظمات لها في شؤون الحكم كلمة، إذ يجب على كل شخص أن يكون مثقف لنفسه من ناحية أولى، ثم مثقف لمجتمعه في مرحلة ثانية، فينقد ويفضح وينصح وينظر، دون أن يرتجي شكراً أو تكريماً من أي أحد.
 

لأن ما دأبت عليه الناس هو تسليط أضواء الصحف والإذاعات على البعض من أشباه المثقفين، في حين أن القرى والأرياف تعج بالآلاف من المثقفين والمنظرين، فنحن في بلاد يكرم منافقوها ويهمل مثقفوها.

الحكمة من كل هذا هو أن السلطة هي من تصنع مثقفاً تعيساً لا هم له سوى اعتياد حانات المدينة والاستلقاء في الحدائق العمومية، والمواطن الصالح هو من يطهر أذنه من كل الشوائب، ويصطفي المادة التي يستهلكها كلفه الأمر ما كلفه، بالتالي ستنقرض الطفيليات ولن يبقى في السوق سوى الباعة الأصليون الذين يبيعون منتجاتهم دون ثمن يذكر.