في مساعي السوريين إلى نوبل للسلام

blogs - aleppo
لم نفاجأ كسوريين بعدم حصول منظمتنا الإنسانية الأهم، الخوذ البيضاء، على جائزة نوبل للسلام، ولسنا حزانا على ذهابها إلى الرئيس الكولومبي ووزير الدفاع السابق خوان مانويل سانتوس، لكننا على أية حال تمنيناها، وبذل نشطاء رائعون جهوداً مضنية للحصول عليها.

مساء أمس، قبل ساعات من إعلان الجائزة، تواصلتُ مع الصديق عبدالله الحافي، أحد عناصر الدفاع المدني في الغوطة الشرقية بريف دمشق، وصاحب واحدة من أشهر صور إنقاذ ضحايا الغارات الروسية الأسدية، سألته عن مشاعره وأمنياته، قال لي: لم نعد مجرد عناصر إسعاف أو إخلاء، باتت لنا رمزية في وعي السوريين، هذه مسؤولية كبيرة للغاية، تشغل بالنا طوال الوقت، وتربكنا، وتشعرنا بالفخر أيضاً.

ما الذي يمكن فعله أكثر من نبش الأنقاض وحفرها بأصابع اليد الحافية، بحثاً عن روح طفلة.. أكثر من تكاتف الرجال السمر لرفع صخرة عن جسد غضّ.

لم يَبدُ الرجل آبهاً بنوبل ذاتها، كان حديثه عن لهفة السوريين، مساعيهم لتكريم ما يقوم به أصحاب القبعات البيض، عن تقدير الضحايا لمن ينقذهم، هنا تختبئ المسؤولية الكبرى بنظر عنصر الدفاع المدني.

لا أعرف ما الذي يمكن لأصحاب القبعات البيضاء فعله أكثر، أو أية مسؤولية يمكنهم تحملها فوق ما يتحملونه، أكثر من القيام بالمهمة التي تخلى عنها العالم كلّه، بأممه المتحدة، ودوله العظمى التي تشارك بعضها بالمأساة بشكل مباشر، ومنظماته الكثيرة التي ملأت الفضاءات بعناوين حساباتها البنكية تسولاً باسم السوريين.

ما الذي يمكن فعله أكثر من نبش الأنقاض وحفرها بأصابع اليد الحافية، بحثاً عن روح طفلة.. أكثر من تكاتف الرجال السمر لرفع صخرة عن جسد غضّ، وأكثر من البكاء فرحاً بإنقاذ الضحكات الصغيرة!

لا تقوى البطولة على تحمل كل هذا الذي تحملته أبطال القبعات البيض.

تشبه جازة نوبل للسلام قصة تأسيسها، فالجائزة التي أرادها "ألفرد نوبل" منصة لتحسين صورته وذكراه بعد أن خاب أمله يوم رأى نعوته الخاطئة تصفه بـ"تاجر الموت"، ما تزال تمنح للقتلة كما تمنح أحياناً للضحايا، أو تمنح لهما بالمناصفة.

لم ينجح مخترع الديناميت في التكفير عن ذنبه! وهذا حديث طويل على أية حال، لكن المهم هنا، أن الجائزة على كثير ما يقال بشأن تسييسها وانحيازاتها، تحظى بتقدير العالم الغربي بعامته ونخبه، ولأجل هذا وجد السوريون أنفسهم أمام تحدي الحصول عليها، وهم أبناء الثورة المتروكة، والقضية المُتجاهلة، إلا من الساسة الغادرين.

والحق، أن النشطاء السوريين الذين أنشأوا حملة التحشيد لحصول الخوذ البيضاء على جائزة نوبل، نجحوا في تسليط الضوء بشكل باهر على تضحيات المنظمة وعناصرها وما يقدمونه للإنسانية المزجاة في سوريا، وأمكنهم تحشد أصوات عالمية مرموقة لدعمها.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، منحت المنظمة السويدية الخاصة "رايت لايفليهود" جائزتها السنوية لحقوق الإنسان إلى الخوذ البيضاء، وتُعرف هذه الجائزة بكونها بديلة لنوبل.

كما نجحوا في الوصول إلى أهم منصة لعرض المسلسلات والأفلام عبر الإنترنت في العالم، وهي نيتفليكس netflix، وأتاحت لجمهور يزيد عن 70 مليون مشترك، مشاهدة فيلم وثائقي عنهم.

وأبدى مجموعة من نجوم هوليود، بينهم جورج كلوني ودانيال داي لويس وفانيسا ريدجريف وساشا بارون كوهين، وغيرهم، وكلهم مشاهير عالمياً وحاصلون على جوائز رفيعة، أبدوا تأييدهم حصول الخوذ البيضاء على الجائزة، وهي ربما المرة الأولى التي تحظى فيها منظمة سورية بمثل هذه الالتفاتة الهوليودية.

هذا عداك، عن أن صحف عالمية مرموقة، مثل الغارديان والتايم البريطانيتان، قالوا بصوت عال أنهم يرون أحقية الخوذ البيضاء في الحصول على نوبل للسلام.

ثم إنّ حملة جمع التوقيعات، على الموقع الرسمي لترشيح الخوذ البيضاء، جمع أكثر من 320 ألف توقيع لأشخاص من مختلف دول العالم، آمنوا بتضحيات أصحاب القبعات البيض، وإنك إذا ما تجولت في حساب جائزة نوبل الرسمي على فيسبوك وتويتر، واطلعت على التعليقات، ستفاجئك تعليقات لأشخاص تبدو سحنتهم من آسيا وأمريكا اللاتينية، قد لا يخطر ببالك أنهم يعرفون أين تقع سوريا، تراها يطالبون بحدة وإصرار لجنة نوبل بحصول القبعات البيض على جائزتها للسلام.

هل ما زال ممكناً الحصول على نوبل للسلام؟ نعم، فالرئيس الكولومبي كان رُشح لها العام الفائت، ولم يفز بها حينها، وفاز بها هذا العام، هذا دارج في عرف نوبل.

ماذا لو حصلت الخوذ البيضاء على نوبل للسلام؟
مزيد من هذا كله، تسليط الضوء بشكل مكثف وكبير للغاية على القضية السورية، ستتصدر مأساتنا الأغلفة والنشرات الإخبارية، سيعني هذا فضحاً للقتلة والإرهابيين الحقيقيين، الذين يتسببون بكل هذا الدمار والخراب، وسيبحث الناس أكثر من أي وقت مضى عن فيديوهات أصحاب القبعات البيض على يوتيوب.

من مزايا دور الخوذ البيضاء أنه يسلط الضوء تحديداً على الغارات وضحاياها، والغارات واضحة، لا يوجد هنا داعش ولا قاعدة ولا نصرة، لا يملك الطائرات في بلادنا إلا المحتل الروسي، وحليفه المحلي بشار الأسد، والتحالف الدولي طبعاً!

هل ما زال ممكناً الحصول على نوبل للسلام؟
نعم، فالرئيس الكولومبي كان رُشح لها العام الفائت، ولم يفز بها حينها، وفاز بها هذا العام، هذا دارج في عرف نوبل.

هل الأمر يستحق؟
ليس أكيداً، فالعالم أسكن من أن يتحرك لأجلنا، رغم أن صور المأساة بكل أبعادها طافت كل وسائل إعلامه ومقرات منظماته، إنما يعمل من يعمل اعتذاراً إلى الشهداء!