شعار قسم مدونات

الاختلاف يفسد للود قضية!

blogs - women

محمَّلة أنا بعذابات صغيرة، أقول صغيرة لأنها لن تثنيني عن المضي قدماً، كلما حاولت أيادٍ أن تمتد إلي بسوء أشحت وجهي عن هذا العالم المجنون!

تهطل الخيبات على الذاكرة فتوجعها حسرة على زمن كان فيه الآخر نافذة نطل منها على العالم، الآن لا هو فيه ولا خارجه، اكتظت منطقة الألم وقليلون من لا يزالون على قيد الفرح يحترفون الأمل، التقى الملح والدمع بعين واحدة وصار النقاء ضرباً من ضروب المجازفة، استنزف الواقع الشاقّ توقعاتنا وبقيت الكتابة التي تفطمنا عنه، بها يقاس عمرنا وبها ندرك روعة الأشياء، تروِّض المسافة بين أحزاننا وحوادثنا الجميلة، تفرغ قلوبنا من حمولتها الزائدة، إنها الخلاص الوحيد لتجميل ما قبح من المشهد.

لا يضيرني أنني امرأة مولعة بنشرات الأخبار، امرأة لا تسمع غير الأغاني القديمة، مخلصة للغتها الأم، تحب الجرائد الورقية التي نأى عنها الجميع.

أهرب من الكتابة عن نفسي كما يهرب المجاز من البلاغة، لكن هذه المرة استفزني وجع خفيف حين رأيتهم يرفضون قطعاً الاعتراف بأن ثمة من تسلّل من كل هذا الهراء العظيم، أقصد هذا العالم، ليصنع عالمه الخاص على مقاس أمانيه البسيطة.

الاختلاف بيني وبينهم يغيظهم، يتعقبون أثري كرهاً لا طوعاً، وأنا أقول لهم: نعم، لا يضيرني أنني امرأة لا تشبه النساء "العصريات" ولا تركب سفن الحداثة، لا تمتطي صهوة الجياد الرومية ولا ترتاد دور نفخ الشفاه وزرع النهود البلاستيكية، فارهة الكبرياء كنخلة عراقية لا تتملق لرجل مهما علا منصبه وسطع نجمه، تضحك من عقد الآخرين على مواقع التصنع الاجتماعي، من نساء تتباهين بثقافتهن التي لا تذهب إلى أبعد من الأمسيات العابقة برائحة العطور الباريسية الفاضحة، أمسيات الاستعراض التي تصنع الحياة، الموت بلغة أخرى.

لا يضيرني أنني امرأة مولعة بنشرات الأخبار، امرأة لا تسمع غير الأغاني القديمة، مخلصة للغتها الأم، تحب الجرائد الورقية التي نأى عنها الجميع وتكره القراءة على الألواح الإلكترونية، تمقت المسلسلات ولا تعرف أسماء المؤدِّين الجدد، تعشق رائحة الحبر وخشخشة الورق، أثمن الهدايا لديها كتاب وحزمة حروف متراصّة، امرأة يستهويها العيش بين الحقول والمزارع، تهوى رائحة التراب حين تعجنه بيديها، تفخر حين تثمر شجيرة زرعتها أو تتفتح زهرة شذبتها.

امرأة الفصلين الداكنين، لا تحب فصول الابتسامات المدفوعة ومشتقات البهرجة، تتبعثر على رصيف الأقدار، تدخل مرحلة حياتية بطيئة حين يبدأ هيجان الخريف، كشجرة القيقب تكشف عريها الفاضح عند قدمي الشتاء، تنزوي إلى ظلها حين يكثر اللغط، أثمن إنجازاتها حين تعيد الحياة لكتاب يسكنه الغبار.

أنا امرأة كثيرة العقد في نظرهم.. وإني لأهوى عقدي.

تتكاثر الأسئلة المسمومة وتنهال سهامها حين يهطل الأرق مدراراً: ماذا لو كان العالم الذي يتكئ على سفح الهاوية بغير هذا البؤس؟ ماذا لو تركنا للآخر حرية عزف إيقاعاته كما يشتهي؟ وما معنى أن نقصّ أجنحة من يحلم بالطيران؟ أنكفّ عن اختراع المجد ونكشف عن جرحنا الغائر؟ ماذا لو أعدنا الحياة إلى الحياة؟

لو نكفّ عن الإفراط في التأويل قد ينمو الخيال رويداً رويداً تقوده الكلمات ليتحول إلى واقع، لو يهيننا القبح لا الجمال والكره لا الحب، لو نترك لهذا الأخير حيزاً كي ينبت، لو نرهف السمع إلى صوت الصمت لتحدينا به العالم بلا ضجيج ولا صخب.

تبقى الأماني معلقة على ظلال السرو تشق طريقها في مجرى الكون إلى أن تجد أرضاً تحملها، حين لا يظل المبدع والعزلة صديقان حميمان يحملان حقائب السفر، تمتلئ الأوطان بفرح العائدين إليها، تشرق الشمس من قلوبنا لتتنازل الضحية عن عذابها الطويل وتُضاء أنفاقها، تُملأ الرسائل الفارغة وتُبتر قوة السلاح لتطَوِّعه الكلمات، تمحى مسودات تقرر مصائر غيرنا، تقاوَم الأحقاد التي نبتت كالفطر.

فلنحب أنفسنا أولاً ونحدد من أي مرفأ نبدأ لنبحر نحو عالم نقيّ فيه متسع لخير كثير.