مهند ليس ضحية النظام وحده.."الفيسبوك إذ يعرينا"

لم تكن معاناة مهند إيهاب من المرض ثم وفاته وهو ابن الـ 19 ربيعاً فقط، مسؤلية النظام المصري وحده، بل مسؤلية كثير من المجتمع المحيط بمهند قريبه وبعيده، لاسيما مجتمعات الثوار والداعين لحرية الرأي والتعبير والداعين للتغيير، فمن ينتمون إلى مربع النظام والمؤيدين لسحق مخالفيه معنويا وماديا لا يدهش أحد موقفهم.

لكن التعليقات والنقاش الذي دار بعد وفاة مهند كان كاشفا لأنماط تفكير صادمة، لكونها من المفترض أنها تنتمي إلى مربع طالما ظن نفسه أنه من طليعة المناهضين للنظام وقيمه، وأكدت بأن الثورة لم يكن لها أن تنجح بالفعل وعقلها الجمعي يمثله هؤلاء.

فات على هؤلاء جميعا ما أحدثته السجون في رجال أشداء وعقلاء، فقدوا التمييز وانتهجوا العنف عملياً وليس مجرد بأحاديث نظرية على مواقع التواصل.

لم تكن نقطة النقاش المهيمنة على خبر وفاة مهند هو سبب الحالة الصحية التي وصل إليها بفعل الإهمال الطبي المتعمد المنتشر في السجون المصرية وإصلاحياتها التي كان مهند أحد نزلائها في عام 2013، بل كانت هل يستحق التعاطف أم لا؟ وهل يمكن وصفه بالبطل أم لا؟ وما هي درجة ومقياس التعاطف والتضامن التي يجب أن يحصل عليها بعد وفاته؟.

وربما كانت كل كلمات الاستهجان من دور النظام فيما وصل إليه مهند عبر عنها قطاع شبابي كبير وقطاع يحسب نفسه على مربع الثورة، لم تكن برأيي سوا نقطة على هامش النقاش الأصلي.

وعلى الرغم من أنني لست ضد طرح الأسئلة عموما وتقييم الشخصيات التي يكون لها حيز وجود كبير أو تأثير في المجال العام، إلا أنه في حالة مهند وجدت هذه الأسئلة وإجابتها تحمل من التسطيح للأمور والاستسهال في التناول ما يجعل أصحابها في خانة الأوصياء على غيرهم، الجاهلين بقواعد الحكم، المغرروين بأقوالهم غير المدققين في ثنايا الأمور.

فإجابة الأسئلة كلها انطلقت من التفتيش في حساب مهند على "فيسبوك"، الذي وضع فيه مهند بعض المنشورات المؤيدة "لداعش" في عام 2014 وتحمل بعض العبارات ذات الطابع الوعيدي أو الطائفي، وهو أمر كان كافيا ليكون الحكم عليه "بالجلد" المعنوي على الرغم أن تفاصيل مشهد القصة من بدايتها تجعل بالفعل منه حالة تستحق كل التضامن والتعاطف والمساندة ضد النظام قبل وبعد وفاته.

ورغم عدم معرفتي بالكثير من تفاصيل حياة مهند الخاصة سوا أنه وحيد والديه، إلا أن الأجزاء المنشورة بشكل عام لنا تكشف أن الثورة قامت وعمره 14 عام وأنه بعد الثورة كان من المتفاعلين مع المجال العام على الرغم من صغر سنه، وكان يحلم بأن يكون مصورا ويعمل في حقل الصحافة والإعلام، لذلك فقط قبض عليه وأودع الإصلاحية بدعوى التصوير بدون ترخيص في عام 2013 أي وهو ابن ال 16.

خرج مهند ليعود إلي السجن في يناير عام 2015 بعد القبض عليه لنفس السبب السابق، ويتعرض لما تعرض له سابقا إضافة إلي الحالة المرضية السيئة التي تفاقمت بعد ذلك لتصل للإصابة بسرطان الدم الذي توفى بسببه، وكما هو واضح فإن أغلب منشوراته التي "اصطادها" هؤلاء كانت بين فترتي حبسه.

ربما كانت هذه التفاصيل البسيطة هي سبب الدهشة/الصدمة من ردات الفعل على وفاة الفتى والنقاش الذي دار حولها، فليس خافيا على أحد ما يتعرض له من يدخل الإصلاحيات والسجون في مصر من إهانة وإذلال وبطش وتعذيب، وليس خافيا أيضا ما يمكن أن يحدثه هذا من أثر نفسي بالغ السوء في نفوس فتية يافعيين في مقتبل العمر ومازال وعيهم يتشكل، فطبقا لكلام المختصين فإن مرحلة تشكيل الوعي عند الإنسان هي في المرحلة العمرية ما بين 16 – 21 عاماً.

فات على هؤلاء جميعا ما أحدثته السجون في رجال أشداء وعقلاء، فقدوا التمييز وانتهجوا العنف عملياً وليس مجرد بأحاديث نظرية على مواقع التواصل، فات عليهم أيضا ما يمكن أن يتعرض له شخص من هزة نفسية وإحباط شخص متطلع بحمله بعدما فجرت الثورة ينابيع الأمل في النفوس.

نسوا حجم الأسئلة الوجودية التي تولدت مع الثورة والإنقلاب عليها والتي عصفت بنا نحن السابقون في العمر والعمل العام، نسوا ما يمكن أن يتعرض له فتى يافع نفسيا بعد صدمته في كثير من هؤلاء ممن يحاسبونه بعد تحطم أحلامه هو من معه في جيله، على صخرة "الانتهازية والمكايدة السياسية"، لجميع الفرقاء السياسين والثوريين في مصر، أدت لتشوه وتشويه ما أعتبره الشباب والفتية "أيقونات" في كل مرحلة من مراحل الثورة "المغدورة" ، هذا فضلا عن صخرة "الإستقطاب" التي جعلت من الحليم حيران وأحدثت تحولات فكرية وشخصية عميقة لدى كثيرين منا.

ما جرى مع مهند، ليس نتاج أنظمة فاشلة ومحبطة وانتهازية فقط، بل نتاج كثير من سلوكيات الغلظة والقسوة المعنوية على الفضاء الإلكتروني.

لم يسعى أحد منهم لمتابعة ماذا فعل مهند بعد ذلك ولم يدن أحد نفسه بأنه لم يتحمل المسؤولية نحو مهند وعشرات غيره، سواء بالتهاون في مواجهة والتصدي لبطش النظام أو إدانة نفسه وتحمل مسؤوليته اتجاه فشل الثورة، لم يحساب أحد نفسه على عدم سعيه لإحتواء الفتى ومن مثله، الكل أدان مهند والضحية، على الرغم أن مهند خرج من الإصلاحية ليحمل معداته التصوير خاصته ليعمل مرة أخرى فيما يحب وهي بطولة في حد ذاتها بالنسبة لعمره.

ما جرى مع مهند ليس إلا تجلي شديد الوضوح، لدرجة "القسوة" ولحالة عجزنا وقلة حيلتنا، وهواننا على أنفسنا قبل أي نظام حكم البلاد، هي تجلي لحالة من العدوانية، النفسية قبل المادية سرت فينا، وهي قسوة ليست على الأرض فقط لكنها في عالمنا الإفتراضي الذي تتجلى عليه يوميا "القسوة والغلظة والإفتراء والتخوين والمزايدة والمكايدة"، وكل ما يفعله "الفيسبوك" أنه "يعرينا".

ما جرى مع مهند، ليس نتاج أنظمة "فاشلة ومحبطة وانتهازية" فقط، بل نتاج كثير من سلوكيات "الغلظة والقسوة المعنوية على الفضاء الإلكتروني" ونتاج تدني قدراتنا في "الإحتواء والتفهم" للآخرين، وتسيد قيم"الصراع السياسي" على قيم "التراحم الاجتماعي" في كل المواقف دون تمييز بين هذا الموقف وذاك، وشيوع الرغبة في "الانتصار وإلحاق الهزيمة بالخصوم والمخالفين" على الرغبة في "الإرتقاء والتقارب معهم".
 

رحم الله مهند إيهاب وجعلنا الله سببا في التفريج عن المعتقلين والمظلومين في بلادنا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يحتفل العالم، الاثنين الموافق 10 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، باليوم العالمي للصحة النفسية 2016 تحت شعار "الإسعافات الأولية النفسية" وفقا لمنشور على موقع منظمة الصحة العالمية الإلكتروني.

انتهت الحملة الانتخابية بالمغرب منتصف الليلة الماضية، ونُزعت من الشوارع الشعارات واللافتات الخاصة بالأحزاب ومرشحيها، ودخل المتنافسون في الصمت الانتخابي قبل موعد الاقتراع المقرر صباح اليوم الجمعة.

الأكثر قراءة