ما بعد "بيريز " وقبل النهاية

عندما تنشأ الدّول، فإنّها ترتبط بأشخاص، يُعبّر عنهم بـ "المؤسسين"، وقد يختلف اللفظ التعريفيّ المضاف لهذا المصطلح، فتارةً يُقالُ "المؤسسون الأوائل"، وتارة يُقال "المؤسس الحقيقي"، وغالبًا ما تذهب نظريّات التّحليل التّاريخيّ ونظريّات الاجتماع السّياسيّ إلى حدّ الانبهار بهذه الشّخصيّات، بل قد تقدّم هؤلاء على المؤسس الأوّل لدولةٍ ما.
 

إنّ فكرة "المؤسس الحقيقي"، غالبًا ما تُشيرُ إلى انتهاء حقبة الصّعود والتّاسيس، والانتقال إلى مرحلة التردّي والترهّل، وفي حالة شمعون بيريز، فإنّه كان يُمثّل رأس السياسة في جانبيها النّظريّ والعمليّ في دولة الاحتلال، سيّما في العقود الأخيرةِ.
 

لقد شغل الرّجل – كما يُعبّر عنه في الإعلام العبريّ- جميعَ المناصب السياسيّة الممكنةِ. فقد شغلَ قبل أن يبلغ الثلاثين عاًما مدير مكتب "رئيس الوزراء" أنذاكَ، وهو بذاته "مؤسس" القنبلة النووية الإسرائيليّة، ورئيس حزب العمل لفترةٍ طويلةٍ، ووزير دفاع، ورئيس وزراء، وأخيرًا رئيس دولة الاحتلال.
 

يُجمع المحللون في دولة الاحتلال، أنّ أهمّ وصفٍ تميّز به بيريز، هو رؤيته الاستراتيجيّة لمستقبل دولة الاحتلال وشعبها ومستقبل المنطقة.

صحيح أنّ الرجل، ربما عُرف بأنّه أكثر رئيسٍ خسر انتخاباتٍ رئاسيّةٍ في التاريخ، بل حتّى تلك الانتخابات التي كانت مضمونة -عشيّة التصويت-، استيقظ الناسُ وإذا به يخسر الانتخابات لخصمه أيًّا كان، اللهم إلا عندما تساوى حِزبه في المقاعد مع الليكود برئاسة "يتسحاق شمير".
 

لم يكن الرجل محبوبًا في الفترة الّتي شغل فيها مناصب سياسيّة، بل لعله كان الأبغض على مستوى النّاخب، ولعلّ السبب الأهمّ الّذي زهّد جمهور النّاخبين به، هو أنّه لم يكن عسكريًّا بِبِزّةٍ عسكريّةٍ، ذلك بالرّغم من أنه كان وزيرًا في حكومة "رابين" التي عُرفت بحكومة سحق العظام إبّان الانتفاضة، ويده ملوّثة بدماء شهداء "قانا"..
 

على كلٍّ، فإنّ الرجُلَ كان ذي حضورٍ جماهيريٍّ في العقدين الأخيرين من حياته، سيّما بعد توليه منصب رئيس دولة الاحتلال، ولعلّ السبب في ذلكَ، أن الجيل الصّهيونيّ الأوّل، الّذي شاركَ أفرادُهُ بصياغة نكبة الشّعب الفلسطينيّ، واتاهم الموتُ واحدًا تلو الآخر.
 

إنّ آخر من بقي من جيل العصابات الصّهيونيّة التي صنعت نكبة الشعب الفلسطيني، وبنت دولةً كولونياليّةً احتلاليّة، هو "شمعون بيريز". لكنه ليس أحد هؤلاء وحسب، با هو، باتفاق الإعلام العبريّ، الشخصية الأكثر حضورًا عالميًّا و "عربيًّا"، وهو الشخصيّة الأدهى "إسرائيليًّا"، و "شرق أوسطيًّا"، بل يكاد يُجمع المتابعون أنّه السياسيّ الأكثر ثقافةً بين ساسة دولة الاحتلال على مدار تاريخها.

فماذا تعني وفاته؛ إنّ وفاة "شمعون بيريز" في هذا الظرف الذي يمرّ به الشرق الأوسط، يلقي بظلاله على المنطقةِ بعدّةِ أصعدةٍ:

على صعيد القضيّة الفلسطينيّة:
إذا كان صانع القرار الفلسطينيّ، ما زال -رغم مرور ربع عقدٍ على أوسلو-، يُؤمّل أن تنصاع دولة الاحتلال لاتفاقية سلام، فإنّ "عرّاب" (الشرق الأوسط الجديد)، والأجرأ في الحديث عن "تنازلات" من أجل السلام قد ولّى. ولا يوجد في الحلبةِ السياسيّة الإسرائيليّة الراهنة من "يجرؤ" أن يتكلم عن "سلام".

فقادة "المعسكر الصهيونيّ" ليس لهم رصيدٌ تاريخيّ كالذي كان للرجل، الأمر الذي يجعلهم مُرجفينَ ومتحسّبين أن يتكلّموا في هذا الموضوع، وأخال أنّ صانع القرار الفلسطينيّ، سيجد نفسه بالعراء، كالمتسوّل كلمةً في دهاليز السياسة الإسرائيلية، وسرعان ما سيكتشف أن لا "شريك" للحديث معه عن "سلام" فتتأكّد القطيعة "الظاهرية" بين الجانبين: الفلسطينيّ والإسرائيليّ.

إنّ ذلك القطاع الهامشيّ والصغير في الشعب الفلسطينيّ، الذي آمن أنّ ثمة من يريد سلامًا في الطرف الآخر، بات مقتنعًا اليوم، أنّ أحدًا في الطرف الآخر لا يمكن التعويل عليه في "سلامٍ عادل".

وهذا سيضع قيادة السلطة الفلسطينيّة إزاء تحدٍّ جديدٍ، يُظهرُ مدى قُدرتها على تطوير خطابٍ جديدٍ يستجيبُ للتطلّعات والرؤى الجديدة لهذا القطاع الصغير الذي تلاشى في الشعب الفلسطينيّ، بل عاد ليتماهى مع المزاج العام للشعب الفلسطينيّ.

وعليه؛ فالذي أقدّره هنا، أنّه كان على القيادة الفلسطينيّة أن تبعث برسالةٍ غير رسالة "اليد الممدودة" التي فُهِمت من مشاركة السّيد محمود عباس في جنازة "بيريز"، بل كان ينبغي أن تكون الرسالةُ مفادها، أنْ لا مكان الآن للحديث عن تطبيق مستحقات أوسلو وما بعدها، أو أي نقاشٍ في "سلام شامل"، لأنّ الذي كان يملك رصيدًا تاريخيًّا وعمقًا جماهيريًّا، لم يشأ أو لم يستطع أن يحرّك شيئًا، فمن بعده، لن يفعل من باب أولى.

وهذا التصوّر الذي ننسجه هنا، هو بالفعل ما أفرزه استبيانٌ للرأي العام في دولة الاحتلال، حيث أظهر الاستبيان أنّ غالبية الإسرائيليين لا يعتقدون أنّ سلامًا سيعم المنطقة!

على صعيد التفكير الإستراتيجي لدولة الاحتلال:
صحيحٌ أنّ علوم التفكير والتّخطيط الإستراتيجيّ يمكن دراستها وتعلّم أهم أركانها ومعالمها، إلا أنّ أكثر الذين غيّروا مسار التاريخ في مناطق تواجدهم فهموا التفكير والتّخطيط الاستراتيجيّ بل ومارسوه بالفطرةِ، بمعنى أنّ من أهمّ صفات القائد، قدرته على التفكير الاستراتيجيّ، أي التفكير بالمصلحة العليا على مداها القريب والبعيد، وتقديم وتأخير الأهداف والوسائل الآنية والعارضة بما يتلاءم مع تلك الرؤية الثاقلة والثابتة.

يُجمع المحللون في دولة الاحتلال، أنّ أهمّ وصفٍ تميّز به الرجل، هو رؤيته الاستراتيجيّة لمستقبل دولة الاحتلال وشعبها ومستقبل المنطقة. وبناءً على هذه الرؤية كان يعمل، بل وكان سفير دولة الاحتلال "لترميم علاقاتها" مع دولٍ عربيّةٍ، فضلاً عن دولٍ غربيّةٍ.

ولا شكّ أنّ غيابه سيُفقد المركّب السياسي في دولة الاحتلال الكثير من قدرته على التفكير الاستراتيجي والدّهاء السياسيّ الذي تمتع به هذا الداهية السّياسيّ. صحيحٌ انه ما زالت بعض مراكز الأبحاث تهتمّ بهذا الأمر، لكنّها لن تجد الشخصيّة السياسيّة المؤثرة التي من الممكن أن تتبنّى أفكارها كما كان الرجل. وفقدان التّوازن الاستراتيجيّ، ليس أمرًا هيّنًا في حياة الدّول، بل إنّ الدول الأقدر على البقاء، هي الدول الأقدر على التفكير بما بعد غدٍ واستشعار الخطر أو الفرص قبل وقوعهما..
 

مثّل "بيريز" في الفترة التي خلت، عرّاب "المصالحة" مع الحكومات العربيّة، ولا شكّ أنه استطاع بدهائه ان يُنشئ علاقاتٍ علنيةً أو سريّةً مع الكثير من الدول العربيّة.

فقد الثقة بقادة الاحزاب:
كان الرجل آخر الساسة الذين شاركوا بنكبة شعبنا الفلسطينيّ، ولم يبق أي سياسيّ، عسكريّ من تلك الفترة، وقد اعتاد الناخب الإسرائيليّ أن يختار أحد هؤلاء لسدّة الحكم، لأنهم هم من " بنوا" الدولة، وبموت "بيريز" فإنّ المواطن سيجد نفسه يختار بين شخصيّات ليس لها رصيدٌ تاريخيّ.
لذلك أرى أنّ مرحلة ما بعد "نتنياهو" ستكون مرحلة اضطرابٍ سياسيٍّ لا تكاد تثبت فيها حكومةٌ، بل ربما ينمحي ما يسمى ب "اليسار الإسرائيلي" عن الخارطة السياسيّةِ ألبتةَ.
 

على الصعيد الشرق أوسطي:
مثّل "بيريز" في الفترة التي خلت، عرّاب "المصالحة" مع الحكومات العربيّة، ولا شكّ أنه استطاع بدهائه ان يُنشئ علاقاتٍ علنيةً أو سريّةً مع الكثير من الدول العربيّة، ويبدو أنّ هذه العلاقات ستتراجع في المرحلة القادمةِ، لأن "بيريز" كان آخر ورقة توتٍ يستر حكام المنطقة بها عورةَ علاقتهم مع دولة الاحتلال، ولذلك سيتحرّجون في المرحلة القادمة، ولعلّ المبادرة العربيّة في بيروت التي عاد الزعماء العرب ليحيوها آخر مرّةٍ، ستدخل في حالةِ موتٍ سريريٍّ.
 

وأمّا على الصعيد الدوليّ، فقد كان مسرح الخلاف بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سابقا "روسيا" موجودًا في حلباتٍ بعيدةٍ عن المنطقةِ، أما الان فقد اقترب مكان الصراع إلى حيث لم يكن بالبال، وتحديدًا على الحدود الشمالية وهذا يحتاج رجلاً بثعلبيّة ودهاء "بيريز" لإخراج دولة الاحتلال من ضريبة أو تبعيّة هذا الاختلتف، والرجل ليس موجودًا.
 

والسؤال الذي يسأله الكثيرون: هل فعلاً، يمكن اعتبار موت آخر رئيس لجيل العصابات الصهيونية الآوائل إيذانٌ بزوال هذا المشروع الصهيونيّ ومكتسباته!؟! خاصةً إذا استجلبنا للذاكرةِ، أنّ موت الشخصيّات التاريخية التي عُبّر عنها بألقاب "المؤسس الحقيقي"، كان فعلا خطًّا زمنيًّا فارقًا جدًّا بين حالة الصعود والانهيار!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة