لسنا أرقاماً

كثيرون يموتون ولم نعرف صورهم، ولم نحصيهم كأرقامٍ حتى، صحيح، فنحن لسنا أرقاماً، هكذا نقول دائماً في وجه العالم. أتساءل في نفسي، كيف كانت حياتهم، أسماؤهم، ملامح وجوههم، شكل تسريحاتهم، وأغانيهم المفضلة!

قد يكون طفلاً من حلب، أول ما خرج إلى الحياة مات مستعجلاً، بعد أن رأى العجز في عيون أبيه. أو كاتب مجتهد، خرج من منزله باحثاً عن حبر ليكتب الحقيقة، وجدت جثته مرمية على الطريق الواصل بين الرقة ودير الزور، وتم قطع لسانه، وغرز في صدره سكيناً مع لثام وورقة كُتب عليها: إياكم وقول الحقيقة، الملثمون يكرهون سماع الحقيقة. أو شاب ابتلعه البحر ذات هجرة، مع أنه كان يرتدي سترة نجاة من نوع جيد.

يخبرها بموت أخيه بعد التحيّة، وعن بيته الذي احترق في آخر غارة جوية، وحينما أراد أن يقول لها أحبك، انفجر رأسه برصاصة من قناص يعتلي مئذنة مسجد الحي.

أو ربّما واحد كان يبحث عن مكان تكون فيه تغطية شركة الاتصال جيدة، فمعظم المحطات التي كانت تبث التغطية إما قُصفت أو سُرقت، وحتى لو كانت موجودة، فلا فائدة من ذلك، فلا وقود موجود لتشغيل هذه المحطات، ولا كهرباء، فالمنطقة كانت سبّاقة بمظاهراتها المعارضة للنظام الأسدي، وقطع الكهرباء كان بمثابة عقوبة، يريدون منا البقاء في الظلام، صحيح لماذا نتكلم بالسياسة؟

بعد أن قطع مسافة ثلاثمائة متر تقريباً، وجد مكاناً جيداً للتغطية، ليجري اتصالاً مع فتاة سلبت له عقله، ليقول لها: بحبك، دون أن ينقطع الاتصال، ودون أن تتفكك الكلمة ويضيع معناها، أو تظنه بأنه متردد في حبها، أو أنه خجول يتلعثم بكلامه كالمراهقين. اتصل وردت عليه بتنهيدة، أخبرها بموت أخيه بعد التحيّة، وعن بيته الذي احترق في آخر غارة جوية، وحينما أراد أن يقول لها أحبك، انفجر رأسه برصاصة من قناص يعتلي مئذنة مسجد الحي.

قد يكون رجلاً عجوزاً، يعمل سائق لسيارة أجرة، أوقفته امرأة رائحة عطرها مميّزة، قام بتخفيف سرعته، ليستنشق ويخزّن في صدره أكبر قدر ممكن من رائحة العطر، لم يعلم أنها أنفاسه الأخيرة، فالشارع الذي كان يسلكه، كانت نهايته تُقصف كل يوم في ذات التوقيت، لا أعلم إن كانت صدفة، وشاء القدر أن يمر في نفس لحظة القصف، فلو أنه استغنى عن شهيق واحد، وزاد من سرعته، لما قُتل هو والمرأة التي لم نعرف اسم عطرها.

أو ربّما طالب في المدرسة، كسول في صفه، حسن الخلق، جميل الوجه، حلمه أن ينتقم لأبيه الشهيد، كبر واشتد عزمه، وحمل بندقية أبيه المعلّقة على جدار غرفته بدل صور المشاهير، وراح إلى الجبهة مع كتيبته، كان كلّما ضغط على الزناد زاد النحيب في البلاد، إلى أن قُتل واقفاً بسّاماً بعد أن حقق حلمه. دُفن في أرض المعركة، ولم يشيعه أحد، ولم يذكر أحد بطولاته، ولا حتى ابتسامته الأخيرة.

ذلك الذي لا نعرفه ليس بالضرورة أن يكون ذكراً، أو بطلاً، أو بائع خضار، أو مهاجراً عبر البحر، قد تكون أنثى، تنتظر اتصالاً، رن هاتفها، ابتسمت حينما قرأت اسم المتصل، وأثناء حديثهما، سمعت صوت رصاصة كانت قد فجّرت رأس المتصل، واخترقت سماعة هاتفها، وماتت شوقاً، منتظرةً سماع كلمة تحييها في ظلّ الموت الكثير.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تناولت عناوين بعض كبريات الصحف البريطانية اليوم تداعيات الاستفتاء الشعبي الذي صوّت فيه الكولومبيون ضد اتفاقية السلام بين الحكومة وحركة القوات المسلحة الثورية الكولومبية فارك.

الأكثر قراءة