كلمات على هامش الأحداث (2)

عزيزي القارئ، في التدوينة السابقة تحدثنا عن بعض الأخطار التي تهدد أمتنا، خارجية كانت أو داخلية، مما نجد أن الوقت الحالي يستدعي البحث والتفنيد وإيجاد الحلول لها فيستوجب منا اهتماماً نظرًا لخطورتها، فكما حددنا أهمية أن نكون في اتحاد غير منقسمين ومتنازعين بحيث نصبح في منأى عن الاعتداء أو توجيه الإهانة لأمتنا، وحتى وإن حدث ونحن في اتحاد تصبح أي مغامرة من المعتدي غير محسوبة كما يخبرنا التاريخ في العديد من المناسبات كالعدوان الثلاثي وحرب 73، وكما تحدثنا عن الأخطار التي تحدث جراء إعطاء شخص واحد كل السلطات، أو إسناد إدارة الدولة إلى جماعة غير كفئ، وما تترتب عليه من آثار مميتة ولكن الاتحاد لن يضمن لنا فقط السلام والقوة بل يضمن لنا الحياة في أجواء من الحرية والعدل والديمقراطية.
 

فمنذ البداية وبعد تحول الشعب من السكون إلى الثورة ومن الخضوع إلى الرفض، كنا أمام تحدي كبير في مصر بحيث ظهرت أول التشققات في أكبر إاتحاد في تاريخ أمتنا الحديث، كان الاستفتاء على الدستور في عام 2011 هو المعركة الأولى، والتحدي الأكبر لاتحادنا ولكن لا أدري إذا كان من سوء طالعنا أن تضرب روح المصلحة الشخصية أسوار الوحدة فتتغيب روح المصلحة والمنفعة العامة لصالح مكاسب ومنافع ضيقة ومحدودة، وللأسف الشديد بعد أن نظر كل طرف لطريقه فقط خرجوا جميعاً فارغي الوفاض ولم يستفد منهم أحد وأضاعوا فرصة ثمينة للتغير والنهوض ووضع دستور موحد يضع مصلحة الأمة هدف أسمى.

أتفهم جيداً حاجة الإنسان إلى الشعور بالقوة والسلطة وامتلاك الثروة فكل تلك المشاعر تبدو صحية حين لا تأتي على مصالح الآخرين وآلامهم.

بالطبع لن نبكي على اللبن المسكوب ولن نتحدث في أحداث مرت، ولكن هي مجرد تذكرة لما فعله التعصب والفرقة والرغبة في السلطة المطلقة دون اعتبار لمصلحة الآخرين ، حيث كنا في بداية سلم النجاح فأصبحنا الآن على حافة الهاوية، ورغبنا في الحرية والديمقراطية فتملكت منا رياح الديكتاتورية والقمع والظلم، لم يستفد أحد حتى وإن كان طرف يظن نفسه منتصر وهزم كل منافسيه، فسيخبره التاريخ أنه لم تستطع فئة واحدة دون باقي مكونات الشعب من الحكم إلا وقد ذهبت أدراج الرياح، الفراعنة والقياصرة والملوك والحكام والأمراء والسياسيين تلك سنة الحياة، من يعيش لنفسه يموت وحيداً.

أتفهم جيداً خوف العديد من الطوائف المستفيدة من النظام بشكله الحالي، بحيث أقلمت نفسها على تقبله والتعايش معه والخروج منه بالمكاسب المتاحة لها، وأدرك أيضاً خوف الأطراف التي تدير الدولة من اقتصاص نفوذها وسلطتها والثروات العائدة عليهم جراء تنحية كل الأطراف الأخرى والاستحواذ على الحكم.
 

أتفهم جيداً حاجة الإنسان إلى الشعور بالقوة والسلطة وامتلاك الثروة فكل تلك المشاعر تبدو صحية حين لا تأتي على مصالح الآخرين وآلامهم، فإن كانت تلك الدوافع طبيعة إنسانية فكيف يمكن أن نضع لها حد فنوظفها لصالح الأمة وليس العكس أو كيف يمكننا تجنب الآثار الجانبية لتلك الدوافع وحماية الأمة من تلك المغامرات ذلك السؤال المهم؟

قد نجد السبيل في الوحدة والتفاهم لحل ذلك السؤال الذي يبدو سهلاً ولكنه صعب التنفيذ في الواقع ، فدعنا نبرهن عزيزي القارئ أن تحقيق الوحدة والتفاهم هو السبيل الأمثل لتجنيبنا كل تلك المغامرات الإنسانية، والشواهد كثيرة جداً فتاريخ إفريقيا الدموي نحن أكثر الناس علماً به نظراً لةرتباطنا وتواصلنا المباشر معهم بسبب الجغرافيا أو المصالح التجارية.
 

القارة السمراء عاشت قرون طويلة في بحار من الدماء والتخلف والمآسي ولم يكن السبب الأكبر في ذلك طمع الأمم الأخرى في ثرواتها، بل كانت الحروب الأهلية والصراعات الداخلية نصيب الأسد فيها، فالتفرقة والاقتتال الداخلي خلق منهم دول ضعيفة لا تستطيع أن تتصدى لأي اعتداء أو تطاول عليها فأصبحت أكثر عرضه للغزو.

من المصلحة الشخصية لكل الطوائف أن تتمتع أمتنا بالوحدة والتفاهم وأن يتم تغليب المصلحة العامة، فالمكاسب الفردية تبقى خسارة وإن ظهرت في لحظتها انتصار.

إذا بحثت في تاريخ زعماء إفريقيا قد تتعجب من فقر تلك القارة من الزعماء الوطنيين، ولا يمكننا أن نحمل كل اللوم على أعوام الاستعمار الطويلة دون أن ندرك أن هنالك فرصه ضائعة للنهوض وكتابة البدايات، فثورات وحروب الاستقلال كانت بمثابة بداية عصر جديد كلياً ، لكن عند حصول تلك الأمم على الإستقلال سارعت الأطراف المنتصرة للدخول في صراع على الحكم فحاول كل طرف الاستقواء بدول أخرى للانتصار على أبناء وطنه فعاد الاستعمار في شكل آخر مرة أخرى.

والفرق واضح بين الصالح والطالح، بين من يملك إستراتيجية حكيمة بعيدة عن المصلحة الشخصية وبين من يبحث عن أوهام، ويمكن أن نرى تلك المفارقات بين بول كاغامه في رواندا وكيف حققوا التنمية والارتقاء من بعد الدماء والانحدار، ونقارنهم بحكام أمثال عيدي أمين في أوغندا فلا يبقي منا سواء اتخاذ القرار إما ذلك الطريق أو هذا.

لذا فمن المصلحة الشخصية لكل الطوائف أن تتمتع أمتنا بالوحدة والتفاهم وأن يتم تغليب المصلحة العامة، فالمكاسب الفردية تبقى خسارة وإن ظهرت في لحظتها انتصار لأنها وقتية ولا تستمر ومرتبطة دائماً بتنازلات، فإن رأى الحاكم والمستفيدين منه أنهم اليوم في مكان آمن فلا يضمنون أين سيصبحون غدا، وكم الضرر الذي سيحل بوطنهم أو عدد الأجيال التي يتوقف مصيرها على ذلك القرار فالطريق الصحيح مشرق دائماً وإن كان في بدايته مظلم والطريق الخطأ مظلم دائماً وإن كان مضاء في بدايته.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

انتهت الحملة الانتخابية بالمغرب منتصف الليلة الماضية، ونُزعت من الشوارع الشعارات واللافتات الخاصة بالأحزاب ومرشحيها، ودخل المتنافسون في الصمت الانتخابي قبل موعد الاقتراع المقرر صباح اليوم الجمعة.

الأكثر قراءة