عبد الودود ولد الشيخ: موريتانيا التي في خاطري

يحدث أن نضيع في زحام شبكات التواصل الاجتماعي وحركية الإنترنت، نتشتت بين المحتوى الجميل والرديء، حتى تأتي لحظة التوقف عن الاستيعاب وتدمير برمجتنا؛ فنحتاج ساعتها لعملية تنظيف، قد تكون عبر رسالة قادمة أو العثور على محتوى باذخ المعنى، وهذا ما حدث لي قبل فترة، حيث وصلتني رسالة من صديق، عبارة عن صورة له مع عالم الاجتماع عبد الودود ولد الشيخ، صورة في أحد أنشط شوارع نواكشوط، صورة تحتفي بالحياة.

في الأول، استغربت وسألته هل هذه صورة من ذكرياته الجميلة القليلة، فهو شديد البؤس كبلدنا الحزين، فرد علي:" أبدا هي صورة حديثة، صورت الآن تقريبا"، رددت عليه كيف قابلت عبد الودود؟ لم أعلم بقدومه لنواكشوط، كنت أظن أنه في باريس الآن، فقال: "قابلته بالصدفة كان يسير بين الناس لا يعرفه أحد"..

الأسلوب الحيادي العلمي للباحث عبدالودود جعل السلطات تسارع إلى إزاحة الرجل من هذا المنصب الذي كان خليقا به"..

كان الخبر مفرح لي، وبعدها، قمت باتصالات حتى وجدت موعد معه صباح اليوم الموالي، قابلته في ركن هادئ من نزل بسيط في العاصمة، كنت مع رفيقين اثنين، قابلنا بتواضعه الرفيع(سأتحدث لاحقا عن ذلك التواضع)لنبحر معه في عوالم شتى، كان يستمع لأسئلتنا الكثيرة باهتمام ولم يتخذ دور المحاضر، كان منفتحا كأنه بين أصدقاء أو رفاق، فمن هو عبد الودود؟

عبد الودود عالم اجتماع موريتاني عمل كأستاذ للأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع في عدة جامعات فرنسية، كجامعة ستراسبورغ وجامعة اللورين؛ واليوم، يعمل في مختبر الأنثروبولوجيا الاجتماعية في المركز الوطني للدراسات العلمية بباريس.

كانت نبضة قلبه الأولى عام 1948، قرب بئر الميمون؛ حوالي سبعين كلم من مدينة بوتلميت التاريخية، وهو ابن لعائلة من وسط محافظ، لكن انضمامه للمدرسة الاستعمارية في مدينة بوتلميت؛ جعله يتخذ مجرا غير تقليديا، دخلها وهو صغير السن وساقته الأقدار لفرنسا للدراسة؛ وحين عاد لموريتانيا سنة 1978، تم اكتتابه في المعهد الموريتاني للبحث العلمي كباحث، يقول عنه الباحث الموريتاني محمد محمود سيد يحي في كتابه المجتمع الفضفاض: " د. عبد الودود ولد الشيخ من أندر علماء الاجتماع والمثقفين الذين يحظون بتقدير النخبة المثقفة في البلاد.

ولقد انطلقت شهرة الرجل وأصبح مرجعا في الدراسات التاريخية والإنسانية الموريتانية بعد اطلاع الوسط الجامعي على أطروحته للدكتوراة حول: القبيلة في المجتمع الموريتاني ما قبل الاستعمار، والتي طور فيها بشكل أصيل ومجتهد نظرية عن العلاقة بين البداوة والسلطة والإسلام القديم".

وقد تحدث الباحث الموريتاني محمدّو مُحمّدن أميّن في كتابه "المجتمع البيظاني "عن بعض ملامح التميز في عمل عبد الودود، حيث قال:" تناول الأستاذ عبد الودود ولد الشيخ من جانبه طبيعة وتطور السلطة السياسية في المجتمع البيظاني ما قبل الاستعمار مبرزا على الخصوص العلاقات والروابط القائمة بين البداوة والإسلام والسلطة السياسية التي ظلت مرتبطة في الفضاء الموريتاني ارتباطا وطيدا بنمط الحياة البدوي والدين الإسلامي الذي شكل خلفية أخلاقية ونظرية لهذه السلطة لما يضيفه عليها شرعية سياسية ودينية".

ويضيف ولد أميّن :"ويستنتج ولد الشيخ عجز آليات النظرية الانقسامية عن تفسير حقائق المجتمع البيظاني ما قبل الاستعمار، ذلك أن هذا المجتمع مجتمع سياسي يطبعه تراتب اجتماعي بارز يتميز بالتعارض الوظيفي بين حسان والزوايا، والأسياد والأتباع، والأحرار والعبيد، فضلا عن الوجود الفعلي لسلطة سياسية ممركزة"..

والبيظان الذين يتحدث عنهم الكاتب هم أصحاب الهوية العربية في موريتانيا ، أصولهم مختلفة؛ فمنهم صاحب الأصل العربي وبعضهم له أصل أمازيغي إلان أنه تعرّب. ولسانهم هو الحسانية، وهم طبقات متعددة: ففي قمة الهرم توجد فئتين ارستقراطيتين هما العرب، وهم المحاربون ، وفئة الزوايا، وهي الفئة المهتمة بالعلوم الدينية والثقافة.

ثم طبقات أخرى في أسفل الهرم، كفئة إيكاون وهي الفئة المهتمة بالغناء والمعلمين وهم الفئة الممارسة للأعمال الحرفية، وفئة أزناكة وتختص في الرعي. ثم الحراطين وهم العبيد المحرّرون أو من ثاروا على العبودية، طبعا هناك من ينظر للحراطين كقومية مستقلة عن البيظان ، ثم "العبيد" في أسفل الهرم الطبقي.

بعد عدة محاولات من السلطة الممسكة بزمام الأمور في موريتانيا، قبل عبد الودود أن يكون مديرا للمعهد الموريتاني للبحث العلمي، وتحدث الباحث الموريتاني محمد محمود سيد يحي في كتابه سالف الذكر عن نجاح عبد الودود في مهمته، وقال:" خلال نهاية الثمانينات تألق اسم عبد الودود ولد الشيخ في الأوساط العلمية ولدى مكاتب الخبرة الاجتماعية الدولية بعد إدارته الناجحة للمعهد الموريتاني للبحث العلمي، وإشرافه على مجلة "الوسيط" التي نادى عبر صفحاتها إلى ما أسماه "حزب العلم في موريتانيا".

غير أن الأسلوب الحيادي العلمي للباحث جعل السلطات تسارع إلى إزاحة الرجل من هذا المنصب الذي كان خليقا به"..

استقال عبد الودود من إدارة المعهد على خلفية قضايا عديدة، مثل، نشر مجلة "الوسيط" مقالا للباحث يحيى ولد البراء بعنوان التبعية عند الفقهاء الموريتانيين؛ وقفة تأمل، تناول بعض المسائل المتعلقة بالرق، وتزامن ذلك مع أحداث 1989 العرقية؛ فمنعت السلطات العدد، بالإضافة لقيام الوزارة الوصية بمحاولة الضغط من أجل تحويل بعض الموظفين من قومية البولار نحو الإدارة المركزية لفصلهم؛ تماشيا مع الحملة التطهيرية العرقية التي قام بها نظام معاوية ولد سيدي أحمد الطايع آنذاك ضد" الزنوج"، استقال عبد الودود بسبب الوضع الخانق للحريات، ليترك بعد ذلك موريتانيا ويستقر في فرنسا.

يمثل عبد الودود موريتانيا التي أحلم بها، موريتانيا المتصالحة مع ذاتها، التعددية، المؤسسة على الرصانة العلمية والمتواضعة بالمعرفة.

يكتب عبد الودود بالفرنسية وهو ما يحرم الجمهور الناطق بالعربية من الاغتراف من معين ما يكتب، لكن هناك بعض الترجمات لبعض ما كتب، ومنها كتابه القبيلة والدولة في إفريقيا الذي يقدم فيه محاولة لحث القارئ على أن يقوم برحلة تفكير معمق حول العلاقة بين القبيلة والعرق في سياق إفريقيا جنوب الصحراء، ويرتكز كتاب عبد الودود على المقاربة الأنثروبولوجية التاريخية؛ كما يرنو للفت النظر إلى توضيح بعض المفاهيم المستخدمة لتحظى بمزيد من التفكير ("القبيلة" ، "العرق "، "الدولة").

يمثل عبد الودود موريتانيا التي أحلم بها، موريتانيا المتصالحة مع ذاتها، التعددية، المؤسسة على الرصانة العلمية والمتواضعة بالمعرفة، المتعففة عن العنتريات والسرديات الشوفينية الجوفاء المبتذلة، فهو مخالف لكل صور موريتانيا التي أكره، موريتانيا الفانتازية الغرائبية التي تجدها حين تبحث على الإنترنت، موريتانيا العبودية، تلك الصورة التي طبعت في أذهان الكثيرين عنا، عبد الودود المتواضع بعلمه وعمله المبهر، يفضح نخب الغرور المغترة بذاتها رغم تفاهة انتهاجها إن وجد أصلا.

وأختم بسرد قصة لقائي الأول به، كان في قهوة شعبية مكتظة، حيث دعاه مجموعة من الشباب للقاء أسبوعي ينظمونه هناك، أتى قبل الوقت المحدد مرتديا زيا خفيفا كأنه أحد الشباب الثائر، كان بشوشا متواضعا؛ وكان ذلك حاله أيضا في لقائي الذي تحدثت عنه في بداية التدوينة، يجيب على الأسئلة ولو طبعتها التفاهة، كان يردد كثيرا كلمة أنتم أدرى وأحيانا لا أعلم ولست مطلع وتلك كلمات يصعب على نخبنا لفظها؛ فهي قد قررت منذ أمد سحيق أنها تمتلك مفاتيح المعرفة، عكس عبد الودود الذي فيما يبدو، يتبع سقراط في قوله:" أنا لا أعرف إلا حقيقة واحدة، وهي أنني لا أعرف شيئا".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

صدر عن "مشروع كلمة" للترجمة التابع لهيئة أبو ظبي للثقافة والتراث كتاب جديد بعنوان "علم الاجتماع الديني.. الإشكالات والسياقات" للمؤلفين د.سابينو أكوافيفا ود.إنزو باتشي، والذي قام بنقله للعربية د.عز الدين عناية> ويحاول الكتاب تقديم معالجة علمية للظواهر المتصلة بالدين.

بقي العلامة ابن خلدون من أعظم العقول في الحضارة العربية الإسلامية، وقد تمتع بمكانة علمية عظيمة من خلال تفرده بقراءة التاريخ، حيث لم يكتف بإيراد الأخبار والوقائع بل حاول فهمها وتحليلها وإيجاد منهج لحركتها، وهو ما جعله رائد علمي الاجتماع والتاريخ.

هذا المقال ليس بحثا في علم الاجتماع, ولا هو محاولة في علم النفس, إنه قول فيما قد يكون أو بقي من مفهوم مركزي في العلوم الاجتماعية والإنسانية معقد ومتحرك, ومكمن اختلاف بين العديد من أهل الاختصاص, إنه مفهوم النخبة.

يسعى أستاذ علم الاجتماع اللبناني د. وضاح شرارة في هذا الكتاب إلى تقديم قراءة مغايرة للتمثلات السياسية الحالية لجمهورية "بردة النبي" الإيرانية، وذلك من خلال إبراز النسق الطقوسي الميثولوجي (الأسطوري) الثاوي وراء سلوكيات عيال الثورة الخمينية.

الأكثر قراءة