حفيد موسى عليه السلام.. والشاورما

أمام محل الحاتي بمحاذاة ركن الشاورما، يدخل الخلق ويخرجون محمّلين بأرغفة اللحم شهيّ الرائحة، تستطيع أن تلتهم رائحتها فقط فتشبع.
 

وبينهم تقف امرأة ترتدي نقاباً أسوداً واسعاَ غير مهندم، يكفيك أن تكون واحدة من أسرتك أو أقرانك منتقبة؛ لتعرف كم عمر السيدة، وهل هو نقاب الدين، أم نقاب التسول، لذلك لم يكن صعبا عليّ إدراك أنها ليست امرأة، بل إنها شابة، لا بل طفلة كبيرة. ولكن، ثمة شيء غريب، لأول مرة أرى فيها متسولة لا تحسن عملها. لا تجيد رصد الزبائن، ولا التفوه بكلمات المتسولين الممزوجة بالأدعية المحفوظة. كانت شريدة، تأملتها، فوجدت نظراتها لا تقع على الزبائن كأقرانها، بل كانت ترمق سيخ الشاورما الضخم.. هي جائعة! أحسب ذلك.
 

رحل حفيد موسى، بعدما تأسى بجدّه الذي سقى للفتاتين من زمن بعيد، ثم تولى إلى الظل ولم ينتظر منهن نظرة امتنان، أو كلمة عرفان، أو حتى شكراً مجرداً.

يمر من حولها الناس حتى إذا شعرت بوجودهم تذكرت أمر تسولها، وهمست بصوت رقيق، يتناسب مع سنها ونقابها المهترئ والمهلهل على وجهها. طبيعىي، فهي طفلة إذا جاعت، وطفلة إذا طلبت. وبينما أنا على ذلك، إذا برجلٍ لا نعرف من أين أتى، اخترق شرودي وشرودَها، أقبل عليها في رفقٍ ولين، وقال لها: "أنتِ جعانة يا ماما؟" همست بكلمات هادئة غير مفهومة، فسبحان من فهّم النبيل أنها تريد من تلك الشاورما بالدجاج. انطلق دون تردد مصطنع، لم يلتفت، ولا رافعاً صوته معلناً وجود سيدة مسكينة ها هنا، وهو يغيث جوعها، لذلك كان من المنطقي أن لا يلحظ صاحب المحل شيئا قط.
 

استلم الرجل الشاورما، وسلمها للفتاة التي كانت تنتظره في خجل بعيدا، وهمس قائلا: "ألف هنا يا ماما" ورحل. أخذت تحدق به تحديقا غريبا، رغم وجود الشاروما الحلم بين يديها. من يدري لعلها تحفظ ملامحه؛ لتبحث عنه يوم الفزع، فتأخذ بيده إلى المولى، فيجازيه جزاء من أطفأ جوعاً وصان كرامةً. رحل حفيد موسى، بعدما تأسى بجدّه الذي سقى للفتاتين من زمن بعيد، ثم تولى إلى الظل ولم ينتظر منهن نظرة امتنان، أو كلمة عرفان، أو حتى شكراً مجرداً.
 

نفسي فداء للفقراء المساكين.. الذين تعزّ نفوسهم عن المسألة، ما أخرجهم إلا خشية التهلكة، الذين إذا رأوا سيخ الشاورما واقفا شامخا.. سألوا أنفسهم قائلين: أذلك خير أم جنة الخلد؟ فأجابوا أنفسهم ورحلوا صامتين.. فرفقا بهم، فأغلب أهل الجنة من أمثالهم.
 

قال تعالى:
((إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوخَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ))

((لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ)) 

– ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوالْغَنِيُّ الْحَمِيدُ))
 

وعن المصطفى قال: "اللهم أحينى مسكينا وأمتنى مسكينا واحشرني فى زمرة المساكين"
فسلام عليهم، طابوا بما صبروا..



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

اكتفت الولايات المتحدة "بانتقاد" حليفتها إسرائيل بعد قرار الأخيرة بناء مئات الوحدات الاستيطانية على أراض فلسطينية محتلة، لكن تل أبيب رفضت الانتقاد الأميركي مبررة مشروعها الاستيطاني الجديد.

وقع الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والسوداني عمر البشير وثيقة شراكة إستراتيجية. وبحسب بيان رئاسي مصري فإن الوثيقة ترسم الأطر اللازمة لإحراز التقدم في شتى مجالات العلاقات بين البلدين.

الأكثر قراءة