المال عصب الحياة أم وسخ الدنيا؟

يطلق على المال مسمى عصب الحياة، وذلك لأهميته البالغة في تلبية الحاجات وتحقيق المنافع، ولدوره الكبير في بناء الأمم والحضارات. رغم أنني في عصرنا الحالي، أرى له دوراً أكبر في هدم الحضارات وقتل البشر، كما هو الحال في الحروب الحالية، حيث سخرت الأموال لشراء أحدث الأسلحة التي تفتك بالإنسانية.

وترددت في الشبكات الاجتماعية كالفيس بوك، مقولات مثل "بالنسبة للي بيقول المصاري زبالة الدنيا بحب قلك أنت الزبالة والمصاري هي الأساس"! مثل هذه الحوارات تمثل مؤشراً كبيراً على أشباه البشر في عصرنا الحالي، حيث أصبح المال مدعاة للمشاحنة والبغضاء بين الأخلاء.

ويقال أن "الفلوس تغير النفوس" وهو ما أشعر به أكثر يوماً بعد يوم في تعاملاتي المالية، وبالأخص في بلاد الغربة. حيث أن العالم مادي بامتياز، فأنا اليوم أدرك تماماً أهمية البقشيش، سواء في صالونات التجميل، أو المطاعم، أو حتى رياض الأطفال.. كما أدرك مفهوم القلق على المال وحسب بعض المصادر، فإن القلق على المال هو القلق رقم واحد في حياة الإنسان، وله صور عديدة كالقلق على الدخل ومقداره ودرجة كفايته، والقلق على كيفية إدارة المال، والقلق على مشروع التوفير والمستقبل، وحتى تأثير المال في العلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة، وعلى الأسرة وما إلى ذلك..

يقال أيضاً "ان كتر مالي كل الناس خلاني وان قل مالي كل الناس دشماني" – شعرت كم من الأصدقاء قد أكسب بفضل المال، ولربما كان أكثرهم مزيفون. وللأسف، أصبح هناك من يرى أن الشخص لا يساوي إلا ما في جيبه، ولا ينظر إلى الأخلاق والقيم، وهي الأساس، وأنه لا فخر بالمال والنسب، بل الفخر بالعلم والأدب، وهناك من باع دينه ومبادئه وشرفه وكرامته لأجل المال..

يقولون أن الحب أهم من المال، إذن لماذا لا تجرب دفع فواتيرك بالحب والعناق؟

إن المال سواء كان كثيراً أم نزراً قليلاً، إلا أنه يتحكم في حياتنا وبقوة، ويجعلنا نستمر في القيام بأعمال لا نحبها، ونستمر في وظيفة لا تناسبنا ونزهق أنفسنا في أداء مهمات تبتلع حياتنا، ففي بداية حياتي المهنية كنت أنظر أي الأعمال أحب القيام بها لكي أبدع فيها، واليوم أصبحت لا إرادياً أنجرف مع التيار لأرى أي المهن تعود علي بمبالغ أكبر. ولعل أزمة السوريين كانت أصعب تجربة، حيث ساعدت الأموال الكثيرين للهجرة والإقامة في بلدان أخرى، والحصول على العيش الرغيد، بينما يعيش آخرون المرار ولا يستطيعون المغادرة في ظروف عصيبة، واضطر بعضهم أن يرموا أنفسهم في البحر والمغامرة بحياتهم.

ومن الجانب الديني يردد الناس الآية الكريمة "المال والبنون زينة الحياة الدنيا" و كثيراً ما نغفل عن تتمة الآية وهي "والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً".

يقول بيل جيتس (Bill Gates) "ليس خطأك أنك ولدت فقيرا ولكنه خطأك إذا مت فقيرا".. فهناك أيضاً جانب يجدر الحديث عنه، وهو من لا يسعى لأي شيء، ويتواكل ويقترض من الناس، بحجة أن المال ليس من أولوياته، بل وإنه يبذر ويسرف وتتراكم ديونه، وهو لا يعقل شيئاً ولا يتوكل، فقد يموت فقيراً بينما يلوم القدر وهو الجاني في واقع الأمر. كيفية إدارتنا للمال تعكس عنا الكثير، وكيفية ردود فعل الناس حيالنا إذا امتلكنا المال، فمنهم من يطمع، ومنهم من يحسد، أو يغبطنا على النعم.

نيشان بانوار (Nishan Panwar) "يقولون أن الحب أهم من المال، إذن لماذا لا تجرب دفع فواتيرك بالحب والعناق؟ –" .. وهذا يذكرني بمقولة للعوام "إذا دخل الفقر من الباب هرب الحب من الشباك". هل هذا صحيح؟ لا أعلم مدى صحة ذلك.

مقولات كثيرة ومواقف أكثر، تجعلني أتخبط هنا وهناك، لكن أصل إلى قناعتي مع مقولة البرت اينشتاين (albert einstein) "أغلى شيء في حياتك هو ذلك الذي لا تستطيع شراءه بالمال". لربما أنفق كثير من الناس النقود وسافروا في أكثر البلدان تطوراً، وذهبوا للأطباء في أفضل المستشفيات، ورغم هذا كله لم يرزقوا بطفل. فيارب احفظ أولادنا، فهم أغلى مافي الحياة، واجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها يارب في قلوبنا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة