اللؤلؤة السوداء

حبات سوداء قادرة على جذبنا حولها كالمغناطيس بشكل دائري، وكأننا في أحد طقوس السحر الأسود، نعم، هو كذلك، سحر لا يمكن فك طلاسمه عند أكبر عراف، كيف لمسحور أن يطلب الشفاء من علة تجلب له البهجة؟

لم يتخلَ الإرتريون في شتى بقاع المعمورة عن الفخار الفاخر "الجّبَنة" كما يُطلق عليها في اللغة المحلية، صنعته أيادي إرترية أصيلة، مازلت محتفظة بهذه الحرفة الوطنية التى يتميز بها شعبها ويصدرها للمغتربين منهم في جميع دول العالم. يمتزج داخل جعبتها مسحوق البن، والزنجبيل، والماء الذي يغلي على مهل فوق "كانون" معدني، يملأ سطحه كمية من الفحم الأزمة لغليانه عند 100درجة مئوية، وهنا يكمن السر. دقائق ويبدأ بخار زكي الرائحة يتصاعد من فوهة "الجبنة" يملأ المكان والمجلس والشارع.

هنا في الغربة تكاد تميز البيت الأرتري وأنت تعبر أحد شوارعه برائحة القهوة السوداء، التى تجوب في المكان. اجتمعوا حولها ليسردوا قصصهم ومغامراتهم، منبر الشعب ومكان لمناقشة القضايا المهمة وحلها، الملتقى الأول للأهل والأحبة، كانت وما زالت الملاذ الأول بعد شتات الوطن، احتضن الأرترين الفنجان بين يديهم كما احتضنوا بعض في غربتهم. "أنشأوا وطناً خارج أوطانهم".

هاجر بعض الإرترين من بلادهم في فترات زمنية مختلفة، بعد حروب طاحنة مع دول الجوار والدول المستعمرة التى استنزفت خيرات البلد، طمع في موقعها الجغرافي المطل على البحر الأحمر من الجنوب الشرقي لقارة أفريقيا، لذلك أطلق عليها "جارة البحر" كما تعتبر من دول القرن الإفريقي المطلة على باب المندب. لم تكن الهجرة خيار لبعضهم لكنه هروب من ويلات الحرب. وما الحرب إلا مكسب أو خسارة، خسر البعض فيها الأهل والأحبة، لكنهم لم يخسروا عادتهم الجميلة التى نقلوها معهم في حلهم وترحالهم، والتى تمثلها تسع قوميات منفردة بثقافتها، شعب يتحدث العربية والانجليزية والإيطالية بجانب لغاته المحلية، تنوع عرقي كبير امتزج تحت مسمى "إرتريا".

صُنعت القهوة للمحبين والتائهين في دواخلهم.. لمن أراد أن ينسى ويُنسى.. ولجمع الأحبة والبكاء على فراقهم الذي جعل الحياة بلا طعم كالقهوة التي تقدم في الأتراح.

رحلت أمي منذ أربع عقود، لكنها احتفظت معها بلؤلؤتها السوداء. كنت أراقبها عن قرب وهي تقوم بتقليب حبات البُن على صاج معدني، إلى أن يصبح لونها أسود، فيتصاعد دخان كثيف طيب الرائحة تضعه على المسرفة حتي يبرد قليلاً قبل طحنه ومزجه بالزنجبيل، المكون الأساسي في القهوة. دوري في الصغر أن أقوم بتجهيز مستلزمات "الجبنة" من سفرة أرضية وطاولة، وطقم من الفناجين، وعلبة بها سكر، وملاعق صغيرة للتقليب، ومبخرة، طقم "الجّبَنة" أو العدة تتفنن ربات البيوت في تزينه من ألوان وخامات مميزة وحديثة، تناسب ديكور المنزل مع الاحتفاظ بشكله الأصلي. هذا الاهتمام دفع البعض من الإرتريين لبدأ تجارته في توفير مستلزمات "الجّبَنة" بشكل عصري وحديث وبـأسعار تناسب دخل العائلة.

وحدها أمي قادرة على خلق السعادة.. الهدوء حاضر لحظة ارتشافها بعيداً عن منغصات الحياة وضجيج صفارهم، هكذا يحب أن يشربها أبي الذي تصيبه حالة من السعادة وصفاء الذهن وهو يشارك أمي أجمل لحظاته الأسبوعية التى يكون فيها مرتاح الجسد والبال. 

القهوة تصنع للكبار.. لم أتذوقها إلا بعد أن بلغت الثامنة عشر، وفق قرار صارم تتبعه الأمهات كنوع من التقاليد الواجب تنفيذها لصغر سني، مع الوقت أدركت أنهم على حق في هذه التقاليد التى لها رؤية وبعد آخر، كيف لطفلة مازالت في مقاعد الدارسة أن تسلتذ بشرب قهوة لكي تنسى همومها، أو تتناسها في لحظة صفاء، وهي أقصى همومها أن ينال واجبها المدرسي رضى معلمتها!

صنعت القهوة للمحبين والتائهين في دواخلهم.. لمن أراد أن ينسى ويٌنسى.. ولجمع الأحبة والبكاء على فراقهم الذي جعل الحياة بلا طعم كالقهوة التي تقدم في الأتراح.. ربما تكون من غرائب العادات، لكنه حتماً يوماً سعيداً، وحياة جديدة، خالية من الذوبان لمكعبات السكر في فنجان أحدهم. هكذا هي حبة قهوة إن اجتمعت.. جمعتنا حولها.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة