الأفكار المحملة بالأتربة

غادر المستشرق الألماني (شاخت) والمجري (بيرانت هيللر) الكرة الأرضية، ولم يعد في جعبتهما المزيد من الشكوك التي ناضلا طوال حياتهما لنثرها على جبال المسلمين. لم يكونا يعلمان أن مدرسة استشراقية محلية سوف تتولى تلك المهمة، وتنافس باقتدار على نشر تلك الأفكار.

تتشكل مظاهر هذه الظاهرة اليوم، في محاولة حثيثة لإسقاط هيبة الإسلام، من خلال الولوج إلى التشكيك بقطعياته وإثارة الشكوك حولها، فقد بدأوا يتحدثون عن السنة بطريقة جدلية غير مفهومة، توحي بإبعادها عن مناطق الاستدلال، وهز مرجعيتها، ثم توجهوا نحو القرآن الكريم مؤخرا ليقولوا لنا: إن النص القرآني عبارة عن "كتلة غامضة جدا" وأنها تحتمل تفسيرات كثيرة ومتعددة. وعلى الرغم من ظاهر صحة هذه العبارة، إلا أن هناك منفذا خطيرا إلى تقعيدها واعتمادها؛ لتسريب الأوهام المتساقطة، وجعلها هي التفسير المناسب للقرآن. وبذلك يكونوا قد أسقطوا السنة بدعوى عدم صحة الاحتجاج بها، ثم جعل النص القرآني مجرد كتلة غير مفهومة، وتسليط العقل الجاهل بأدوات اللغة والتفسير؛ لاستخراج معان يصبها الهوى، ويسقيها العقل المليء بالصدى.

أتباع هذه المدرسة في اعتقادي، لا يملكون الرسوخ الكافي في العلم وقواعده الصحيحة، بل ربما لم يسبق لهم أن التحقوا بفصول المدارس الأصولية المقاصدية وعلوم الاجتماع، التي طالما يعلنون الانتساب إليها، فهم يدعُون إلى عمق الفكر، بينما يعيشون في الحقيقة على أسطحه. أشبه بأستاذ اللغة العربية الذي تراه منبهرا بألفاظ القرآن وبلاغتها، إلا أنه لا يعنيه ما تحمله تلك الألفاظ من معاني هادية.

أدوات هذه المدرسة هي إثارة الشكوك والعواصف الترابية حول عدد من المسائل الخلافية التي يسوقونها للعامة، ويقذفون بشباكهم لاصطياد بعض المبهورين ببريق الحضارة الغربية، فقادتهم تلك الأدوات إلى الجرأة، والتمرد اللاواعي، والمراهقة الحقوقية الجامحة. تتميز هذه المدرسة بالبحث عن قول شاذ يشبع رغبتها في التميز، والخروج إلى الإعلام بآراء مبتكرة لتتولى الكاميرات مهمة التصوير، ويتولى الإعلام رصد تلك الزوابع والرياح المحملة بالأتربة.

إن ضعفَ التدين، وهشاشة جرعات التزكية الإيمانية، جعلت عقولهم بيئة خصبة للقلق الفكري والتمرد الهائج.

من أسباب تشكل هذه الظاهرة وميلاد أتباعها، محاولة الظهور أمام الآخرين من الديانات الأخرى بروح الانفتاح، ورعاية الحقوق، والتعايش، والتسامح التي لم يقدمها إلى الآن عالميا غير المسلمين، أما تلك الأجناس، فلا تزال بطونهم مشحونة بتخمة الإقصاء. عندما يصبح العقل عاريا عن العلم، يتحول إلى كتلة من الجهل، المسلح بجحافل الشبهات الملقاة على أرضيته، وسرب هائل من الشكوك التي تحتل تلاله وهضباته. حتى أتوا على الكثير من القضايا التي وضع لها الإسلام حدا فاصلا، فزلزلوها بهزات فكرية عنيفة.

إن هؤلاء ربما بحسن نية أو بسوئها، يجرون الآخرين إلى إسقاط الاحترام الاجتماعي للإسلام وعلمائه وقادته، ومحاولة إسقطاهم بصورة بشعة، وازدراء الجهود الجبارة التي بذلوها لخدمة النص الإسلامي والحفاظ على بهائه، ونسف تراث الأمة الهائل، وهجر العقول التي أنتجت تراثا فكريا عملاقا، لا يزال الغرب ينهل منه ويستفيد من عبقرية مؤلفيه، بل ومغادرة مناطق الإتيكيت الفرنسي والذوق العام مع تلك العقليات الرائعة والأفكار الثمينة، ولم يتعلموا من ذوقيات الشاطبي حين قال "فإن ظهر أن الصواب خلاف ما قالوه؛ التمس لهم أحسن المخارج، وحمل كلامهم على أقرب ما يليق به من مناحي الصحة".

حتى الحركات الإسلامية التي تعيش جوا من الوسطية، وحسن التعامل مع النص وفهمه، وتسليط علمائها ومراكزها البحثية على دراسته واستنتاجاته، وجعل النص يعيش حياة جديدة في واقع اليوم أمثال مدرسة القرضاوي، والغزالي، والريسوني، والراشد ونظرائهم، لم يرضوا عنها واتهموها بالتقليدية الخرفة، وإلغاء لبنات العقل، وقادتهم عوامل التعرية التي تسكن أفكارهم إلى مزيد من التهكم والتندر بالنبلاء. عندما ينبري هؤلاء لمقاومة (خصخصة التدين) الذي يتزعمه آخرون، يقعون في مطبات ومنزلقات وحفر سحيقة، بصورة تدعو إلى الرثاء والشفقة، ذلك لأن حجاب الجهل يحرمهم اللياقة المناسبة في حلبة النزال.

أتابع بعض الردود بين بعض أعضاء المدرستين، فإذا جاء انحراف فكري من أحدهما قوبل بانحراف أشد وأنكى ينسينا الأول. وكل طرف يستخدم "الإرهاب الفكري" بطريقته وأدواته على الآخر. لافتة (عقلي ليس للبيع) حسنة التعبير؛ فلن يباع عقل محموم بجراثيم الانبهار المزمنة، وتغزوه فيروسات الشكوك ودعوى الانتماء لعصر التنوير، أما الأفكار العملاقة التي تدعو للإعجاب فهي أشياء لاتباع.

لقد خرجت هذه المدرسة عن مسارها الصحيح إلى تحركات مشبوهة تجعلهم محل إعجاب وتزكية من مؤسسات غربية معروفة. الحقيقة التي ربما توصلت إليها من علاقتي الحسنة ببعض أعضاء هذه المدرسة المنفلتة أن ضعفَ التدين، وهشاشة جرعات التزكية الإيمانية، جعلت عقولهم بيئة خصبة للقلق الفكري والتمرد الهائج ((وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ . وَإنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ)). الزخرف: ٦٣ – ٧٣ نعم يصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون.

آمل أن تستدرك تلك المدرسة وجهتها وتعيد ضبط بوصلتها من جديد، وإلا فإن السفن التائهة ينتهي بها الأمر إلى الصخور.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة