أن تكون بطلاً دينياً

في هذا الظرف الديني القاسي، الذي أصبح مرادفاً من مرادفات الفولاذ والحديد المقوّى، نبتغي صنع المشهد البطولي على ساحة الورق؛ هنا والآن، تِرسُنا الكتاب وسيفنا القلم، دون أن نقطع رأساً، أو نبقر بطناً، أو نبعج كبداً، أو نخلع كتفاً، أو نهدم صومعة، نسعى وفي سعينا همة الباحث عن البطولة، الآخذ من عيون الصقر نورها، وفي فؤاده ألف طير، رافضون لسرداب المُخلِّص وفرج الدعاء الخادع.
 

فلم يعد من المقبول اجتراح المُثل العقيمة، والتواكل الضارب في خيمة النفوس، وتحجيم أمّة من الناس بإزاء شطحات خارجة عن دائرة الواقع، اكتنفتها الثقافة المهزومة، وأسبغت عليها حاجتها رغم حاجتها إلى حاجتها، وروجت لها العقول القانعة برنين الترداد ومقول المقول، حتى صارت اقتباسات المخيال والبلبال، وحدث الفحوى دون الفحوى، ومكنسة التاريخ التي استنزفتنا زينتها كي تكون عروسة، فجفلت في مخدعها عانسة تنتظر فارس أحلامها المغدور.
 

من يرى تساقط أمته كتساقط قطرات الماء من بين أصابعه، لا أظنه يستغيث بالمكرور، والمعقود، إذ لو كان في ذلك خير؛ لكان الخير.

إن غَرْز الآمال على أرضية الآلام، أشد وأنكى من غرز الآلام على جنة الآمال، وإن مغبة الجموح في فلك الجمود، أكثر زللاً من الانفتاح الناشد للخروج من القوقعة، وهل تحدُّرنا المُسمهر سوى جمود، تقليد، جهل، تخلف؟

وهل بقاؤنا على هذا المهيع المتمادي في تسفيه العقل، وتقزيم الإنسان، إلا حقيقة المكث الغارق والركود الآسن؟ فما البطولة التي ننشدها؛ وقد سار القوم طراً وانغمسوا حد الأذقان في موبقات الوهن، وبطولات الوهم.

 
إن ما نتغياه ليس كبير أمر، ولكنه خطير إرادة وتمرد، والخطير هنا شريف لغة وشريف معنى، فمن يرى تساقط أمته كتساقط قطرات الماء من بين أصابعه، لا أظنه يستغيث بالمكرور، والمعقود، إذ لو كان في ذلك خير؛ لكان الخير، ولسقطت جمرة الأفواه في بركة الثلج، ولا مناص من خلع الأثواب التي نلبسها ولا تلبسنا، ومن اغتصاب خلاعة المشهد المتزاحم بالخلاعة، ولن يكون ذلك مالم نتخلص من التراكمية الثقافية الضحلة، التي اغتالتنا، ومن اجتذاب غيرها؛ لا أقول نقيضها، ففي النقيض تطرف، وفي الغير إصلاح.

إن البطولة التي نتحدث عنها منوطة ومحصورة بالدين، كما لو كنا نتحدث على سبيل التساؤل ونقول: كيف يمكن للمرء أن يكون بطلًا دينيًا؟

يُخبرنا العلماء أن الضحك -المسؤول- ، أو البطولة، هما الحلان الوحيدان لمقاومة الاضطهاد والقمع، وكل مرادفات واشتقاقات هذا الويل النفسي والجسدي في مجمله، ونحن هنا لم يعد في مقدورنا الضحك على الخيبات التي نلعق مرائرها، فالضحك وإن كان علاجاً ناجعاً لصاحبه، إلا أنه ليس علاجاً ممكناً للمجموع، وذلك لاختلافات كثيرة؛ فكرية وبيئية ونحوهما، ولا يهمنا في هذا السياق سوى البطولة، أن تكون بطلاً دينياً في ظل دين تكاد تنطمس معالم بطولته في أعين معتنقيه، لِما وجدوا في من يتطربشون بطرابيشه مكاييل السخف والتسطيح، فضلاً عن الغاية المراوحة بين الإظهار والإضمار من أعداءه وشانئيه، الذين يبتغون إعدامه في ميدان المسيحية الغربية وصلبه على ظهر صليب.

ما كان لهذا الجيل أن يكون شذراً مذراً، يُناكف هذا، ويتعاون مع ذاك؛ التعاون الذي هو في الأصل نزاع بتعبير البروفيسور "كارفر"، لو لم يكن للإرث السياسي والفكري مستودعاته الكبرى، إذ مزقنا أكثر من الاستعمار، وأجهض حلم محمد صلوات ربي وسلامه عليه، وسار بنا في المهابط والقشور، فنابذنا بعضنا، ورأينا في أنفسنا مالم يره ابن الخطاب في نفسه.

تشققنا وتشعّعنا، فكان التأطُّر بمثابة العدو الداخلي، أو على حد وصف الصادق النيهوم "العدو في الداخل"، فعجزنا عن مكامعة الأعداء الأصليين، وانهمكنا بمنافحاتنا وعراكنا الداخلي، فأكرمونا على ما نحن فيه أضعافا، تأجيجاً ونفخاً وعمالةً، وحروباً وقتلاً وأشلاءً، وأراجوزات متعالقة. لا نشعر بأن الأراجوز يشعر كما نشعر، أو يتألم كما نتألم، نجده في وادٍ آخر تماماً، وكأننا نحن نحن وهو هو دونما صلة البتة، علاقتنا بالأراجوز يحتويها سر الثقافة المتجانفه، ومن الطبيعي أن تكون كذلك، فزواج السفاح لا يُنتظر منه الحب والانسكابة المدهشة والذوبان.

مرهقٌ ومُستَغرَبٌ حال أولئك الشباب، وهم يتعجلون الذهاب إلى وحل التأطُّر، ولا أدري حقيقة كيف لهم أن يروا الحياة أو أن تراهم بكامل تجلياتها، وقد نذروا حياتهم في سبيل هذا الحزب أو تلك الطائفة.

فهل من المعقول أن نمضي في التأطُّرية، في الطائفية، في التحزبية الإسلامية، ننافي ونجافي، وفي الآن ذاته نجدنا ذوي الصراط السوي، والحق الأبلج، والمعية الرحموتية، أيّ جنونٍ هذا!، وأيّ عاقلٍ ذاك أو بطلٍ يمكن له أن يكسر أغلال الأمّة، إن كان بداخل قفص!
 

 كيف له أن يرى العوالم، الهضاب، اليفاع، النجوم، السماء، لن يرى إلا قفصاً حديدياً ذهبياً في عينه، خشبياً في أعين الشق المناوئ له، أو كيف لمن يتقحم المدينة الشاهقة ويمكث في وسطها، بين الأبراج الناطحة للسحاب، والبنية التحتية الذاهبة في الجمال لتلكم المدينة إجمالاً، كيف له أن يراها، مالم يخرج منها، فيكون سيد نفسه، وسيد قراره، وسيد مقلتيه.

إن الأحزاب الدينية والطائفية بشكل عام، أشبه بمجلة ماجد التي تحاكي الطفولة، وتناغيها، وتتناغم معها، كنوعٍ من أنواع التأسيس البصري حيال الرسومات وتلك الحروف والكلمات، كذلك هي الطوائف والأحزاب الإسلامية، تأسيس عقدي فكري، في منحى من مناحيها، لا تصلح للكبار، ولا توائم العمالقة، ولا تنسجم مع أبطال الفكر والذِكر والتغيير.
 

فإذا ما حدثتموني عن أبطال في داخل تلكم الأحزاب، غيّروا واستنهضوا، فما تلك إلا بطولة الضرورة والنادر، ومن المعلوم أن النادر لا حكم له، كما أن تلك البطولات ليست إلا من قبيل التخندق لا من قبيل التديُّن ، وإن تلحّفوا بالدين كجوهرةٍ من جواهر الجمهور، وكذا من قبيل الشعارات الزئبقية، والشحنات المقولاتية التشنجية، التي إن وعاها القرد لكان أكثر بطولية من أبطالهم، على أننا لا نستنقص من قدر أحد ولا من عمله، إذ أن ما يعنينا فقط هو نقد البنيوية التأطُّرية في رحم الحزب الذي اتسع لأصحابه ومريدوه، ولم يتسع أو يكتفي أولئك الأصحاب والمريدون لكلمة القرآن الجامعة. 

مرهقٌ ومُستَغرَبٌ حال أولئك الشباب من لداتنا وأترابنا، وهم يتعجلون الذهاب إلى وحل التأطُّر، ولا أدري حقيقة كيف لهم أن يروا الحياة أو أن تراهم بكامل تجلياتها وتمظهراتها، وقد نذروا حياتهم في سبيل هذا الحزب أو تلك الطائفة، فالأجيال التي قبلهم مثلاً، تخرجت على يد الشيخ الفلاني، ثم انتهجت منهجه الفرعي المنضوي تحت المنهج الأم، وأخرجت بعد ذلك أجيالاً كماها، وهؤلاء سيكون مصيرهم كسابقيهم، توليدٌ بليد، ونتيجةٌ أكثر بلادة، ومن ثم نتساءل لماذا الحال أجوف؟، بينما للطبل صوت!

 

فكن مستقل، فالبطولة في الاستقلال، واستقي الحقيقة مِلئ روحك من كؤوس أهلها، أياً يكن لونهم، وأياً يكن معتقدهم ومسارهم، فالخلاص هناك، واللوذعية هناك، والحرية هناك، والإنسان الساعي إلى الكمال هناك، ولتكن هناك، مع الله والقلم والكتاب.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة