شعار قسم مدونات

واقع السجون في الوطن العربي

يرجع بعض المؤرخين قضية السجن باعتباره عقوبة زجرية أو حد تعزيري، إلى عهد الفراعنة ومنهم من أرجعه إلى عهد بعض الصحابة -رضي الله عنهم- وهو الاحتفاظ بالمذنب إلى حين انقضاء مدته، زجراً له ألا يعود مرة أخرى.

وسجوننا اليوم في كل بلد من البلدان وربما في كل مدينة ملئ بعدد من المسجونين على اختلاف تهمهم وتعدد ما نُسب إليهم، لكن واقع هذه السجون ينادي بوجود ظاهرة اجتماعية خطيرة، يتفشى فيها الإجرام بأشكاله، خصوصا مع وجود المخدرات، الأمر الذي يزيد من الطين البلة، وهذا لا ينكره من دخل هذه السجون أو سمع عنها عن قرب..

هنا بدل أن يكون السجن كما يسمى في الإعلام الرسمي أو مكتوب على الأوراق، هيئة الإصلاح أو مندوبية السجون وإعادة الإدماج أو الإصلاحية، تحوّل السجن إلى فضاء للجريمة وأخْذ دورات في فنون الإجرام، أحيانا قد لا تجد المادة في المخذرة في الخارج، فتجدها في السجن وربما بثمن رخيص وبدون متابعة قانوية -يقول سجين-.

المسلمون اليوم أكثر الناس والشعوب تفريطاً لتعاليم الإسلام الحنيف وإهمالاً، بتركها تعّم الأوطان الفوضى ويحصل الدمّار، وما خربت الدول السابقة على كبر واتساع رقعتها إلا بالظلم

ومما وقفت عليه بنفسي، ظاهرة خطيرة أحببت التنبيه عليها والنصح فيها، آلا وهي ظاهرة القاصرين وحديثي عهد بسجن، يرتكب الشاب مخالفة ما، قد تكون عدم تأديته لغرامة مالية أو حادثة سير معينة، فيُحكم عليه بالسجن، فبدخول هذا الشاب إلى محيط السجن مع ما سلف ذكره، شيئاً فشيئا يتحوّل الشاب الخلوق المهذب إلى مجرم، والإجرام على درجات وبخطوات، والقاعدة المتبعة هنا هي "عاشر الذئاب على أن تكون ذئباً" وفي وسط مليئ بالمجرمين يتحوّل الوافد الجديد رويداً رويداً إلى مجرم كذلك، وإلا ضاع واعتديّ عليه وذهبت كرامته، يقول سجين آخر.

ثم سرعان ما يتحوّل إلى مجرم محترف، مع ما يكسبه السجن ومخالطة أهله من احتراف، خصوصا مع قلة الوعيّ بمخاطر الواقع السجوني، وما ينتج عنه، ثم إهمال لإدارة السجون، وفي النهاية وسط اجتماعي يغيب فيه الوعي ويسود فيه الظلم، من الطبيعي أن ينتج هذا النوع من الإجرام.

وما واقع اكتظاظ السجون، وتكرار حالات العود، إلا نتيجة حتمية لهذا الظاهرة. وفي المحصلة فالضرر أكبر على مجتمع ثم على وطن بأسره، ولسنا في حاجة إلى ضرب الأمثال وإن كان بها يتضح المقام.. فهذه ظاهرة ما سمي بالتشرميل في المغرب، وهي ظاهرة خطيرة، وإن خفّ الحديث عنها اليوم، بسبب زحمة الحديث عن انتخابات 7 أكتوبر.

في الدولة المتقدمة التي تحترم نفسها وشعوبها، لا يحكم غالبا على من اقترف مخالفة تستوجب سجناً بالسجن للمرة الأولى، بل يعفى عنه مع الحكم بغرامة مالية، فالقانون لدى هذه الدول يعطي فرصة للمواطن، من باب عسى ولعل، وهذا ما نسميه نحن في شريعة الإسلام درء الحدود بالشبهات، وفيها صح حديث عن رسول الله صلى االله عليه وسلم، (ادرؤوا الحدود بالشبهات) وورد بلفظ: (ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم) رواه الترمذي.

فهذه تعاليم الإسلام الحنيف، والمسلمون اليوم أكثر الناس والشعوب تفريطاً لها وإهمالاً، وبتركها تعّم الأوطان الفوضى ويحصل الدمّار، والعدل أساس العمران، كما يقال، وما خربت الدولة السابقة على كبر واتساع رقعتها إلا بالظلم.

فالواجب على العقلاء جميعا تدارك هذه الظاهرة، التي تهدد مجتمعاً بأكمله، وتنادي بواقع ومستقبل مظلم مخيف..