شعار قسم مدونات

معضلة المقاربة المصرية للأزمة الليبية

لن يجد المتابع للعلاقات الليبية المصرية منذ ثورة فبراير 2011 صعوبة في كشف تشنج بعض النخبة المصرية التي تتبنى خطابا جديدا فيما يتعلق بالدور المصري في الأحداث الجارية في ليبيا، والمنطلق الذي ينبغي أن تتحرك منه السلطات المصرية.

بالقطع الخطاب النخبوي المصري تجاوز المعقول خصوصا في الادعاء بأحقية مصر في التدخل في الشأن الليبي بحجة حماية الأمن القومي المصري والتصدي لتهديد الإرهابيين المتسللين عبر الصحراء الغربية، بل وبذريعة حق مصر في استعادة مساحات واسعة من الشرق وجنوب الشرق الليبي بالقول إنها أراضي مصرية تم انتزاعها وضمها لليبيا بتواطأ بريطاني إيطالي في عشرينيات القرن المنصرم.

بعض النخبة المصرية التي تحدثت عن الشأن الليبي في مقالاتها أو مدخلاتها التلفزيونية تحدثت بعنجهية وتطاول وكأن ليبيا جزء من دولة مصر أو أنها واقعة تحت الوصاية المصرية، واعتبر بعضها الشأن الليبي "ملف مصري" بامتياز وذلك في معرض الحديث عن أسباب الخلاف بينها وبين بعض الدول الإقليمية ومنها ليبيا، وأن مصر أحق من غيرها من الدول العربية في إدارته أو التدخل فيه، وأن لوم مصر على ذلك غير مفهوم ولا مقبول.

دوام الحال من المحال، خاصة في العلاقات التي ترفع من شأنها أو تهوي بها السياسة والسياسيون، لهذا فإن مصر معنية قبل ليبيا بعقلنة خطابها ولجم بعض المتفلتين من نخبها.

الملاحظة الجوهرية هي أن بعض مبررات التدخل المصري في ليبيا قديمة حديثة، فقد تحدث رسميون زمن الاستعمار الإيطالي وفترة حكم الملك إدريس السنوسي لليبيا عن حقوق مصر في أراضي حول واحة الجغبوب وامتداد لجرف السلوم، وتنتشر على مواقع التواصل وثيقة بمضمون قوي وقع عليها مشائخ قبيلة "العبيدات"، التي يمتد وجودها من شرق مدينة البيضاء وحتى الحدود الليبية المصرية، يطالبون الملك إدريس باتخاذ ما يلزم حيال ما اعتبروه "مواقف عدائية"، معتبرين أن الأراضي الليبية تمتد حتى منطقة البراني المصرية، وأن أي إجراء مصري بالخصوص سيرد عليه بالمثل.

من ناحية أخرى فإن الموضوع تكرر وتم تداوله بأشكال مختلفة وكأن هناك علاقة بين السياسة الرسمية المصرية تجاه ليبيا ودور النخبة وخطابها الاستفزازي، مع التنبيه أن الموقف الرسمي المصري المعلن أكثر عقلانية في هذا الصدد وذلك إذا استثنينا تصريحات النطق الرسمي السابق باسم وزارة الخارجية حول حق مصر في الاستفادة من الثروات الطبيعية الليبية التي حرمت منها ظلما طوال عقود كما زعم.

يساور كثير من الليبيين القلق من تصريحات بعض النخبة المصرية السابق الإشارة إليها كونها تأتي في خضم دور مصري كبير في ليبيا اليوم خاصة الصراع الدائر والحرب المستعرة، والاستجابة الكبيرة للنخبة السياسية والعسكرية الليبية خاصة في الشرق للدور المصري واعتباره إيجابيا حتى لو أضر بالمصلحة الوطنية.

والحقيقة أن هناك شبه إجماع نخبوي مصري على أن الضعف والهزال الذي تعانيه ليبيا والذي من مظاهره ضعف السلطة وغياب المؤسسات وانتشار السلاح ووجود متطرفين ليبين وأجانب إنما يبرر أن تقوم السلطات المصرية بكل ما تراه مناسبا لحماية الأمن القومي المصري، ليس فقط الاقتصار على دعم البرلمان الليبي والجيش التابع له، بل الاستعداد للتدخل العسكري المباشر، ولقد تحدث السفير القويسني في مقال نشره مؤخرا عن إمكانية التدخل المصري عسكريا في ليبيا وكيف أن التدخل قد يكون إيجابيا في مرحلة ما من عمر الأزمة الليبية لمنع التغول الغربي في الشأن الليبي ووقف مخطط تدخل أوروبي مباشر.

دوام الحال من المحال، خاصة في العلاقات التي ترفع من شأنها أو تهوي بها السياسة والسياسيون، لهذا فإن مصر معنية قبل ليبيا بعقلنة خطابها ولجم بعض المتفلتين من نخبها، فردود الفعل ضد هذا الاتجاه لن تقتصر على الأطراف الليبية التي تعلن عدائها لمصر في ظل الانحياز المصري، بل قد يبرر لبعض الأطراف الإقليمية النزول بثقل للساحة الليبية، والحديث هنا ليس عن قطر أو تركيا أو السودان، بل الإشارة هنا إلى جارة إقليمية كبيرة ترى أن الدور المصري في ليبيا يشكل خطرا عليها.