شعار قسم مدونات

كيف يستطيع الفن أن يقاوم السلطة

blogs - egypt
لطالما نُظر إلى الفنون والأدب بوصفهما هامشاً في متن التاريخ، ولا أقصد بالهامشية هنا من حيث القيمة والمعنى التي تضفيهما على الإنسان، وإنما ما أتحدث عنه تحديداً هو من حيث قدرتهما على مواجهة السلطة وتغيير مجرى التاريخ.

يُنظر إلى التاريخ بوصفه سلسلة من علاقات القوة المحضة، لذلك يطالبنا محمود درويش بأن "لا نكتب التاريخ شعراً ، فالسلاح هو المؤرخ"، والمؤرخ كما يقول درويش "لا يُصاب برعشة الحمّى إذا سمّى ضحاياه" كما أنه "لايصغي إلى سردية الجيتار"، بمعنى أنه لا يعبأ كثيراً بالجماليات وبما تمليه على الضمير من وازع أخلاقي جوّاني يكون من شأنه أن يوقف العنيف والبطش الذي يسم التاريخ الإنساني، إن التاريخ لا يعترف بالذكاء والعبقرية إلا للقوي وحسب.

يعد السرد الأدبي وكافة أشكال الفنون وسائل ضرورية لخلق فهم جماعي للتاريخ يكون رافداً في ترسيخ الهوية التاريخية للأمة.

لكن هذه النظرة إلى التاريخ وموقع الفنون والآداب منها يحتاج إلى تحرير بعض الشيء، نحاول هنا في هذا الأسطر القليلة القادمة أن نوضح الكيفية التي من خلالها يستطيع الفن والأدب أن يشكلاً متْناً في مواجهة السلطة وتحريك دفة التاريخ، مستحضرين عدة نماذج كان الفن فيها محركاً للأحداث في الربيع العربي.

الفن والسلطة وأشكال المقاومة الرمزية:
" ما لا يمكن تنظيره، ينبغي سرده "
أمبرتو إيكو

في الحالات التي تجد فيها جماعة ما نفسها تحت تهديد خطر وجودي يتربص بها ويستهدف هويتها وتاريخها ويضع قيمها ومُثُلها موضع تساؤل، تبرز كافة أشكال الفنون والسرد الأدبي بوصفهما الأدوات اللازمة والضرورية لتجذير الهوية وترسيخها في وعي ووجدان الناس باعتبارها هويات مقاومة وتحدي لهذا الخطر.

للسرد الأدبي والفنون قدرة هائلة في توسيع خيال الشعوب وإلهابها بقيم التضحية والفداء، كما أن لها قدرة عظيمة في إعادة تصور الجماعة لنفسها وتاريخها بوصفها أمة خالدة لها تاريخ حيوي وحضارة مجيدة، خلقت رموزاً كانوا منارات في التاريخ الإنساني.

تاريخياً تشكلت الهويات القومية والوطنية الحديثة التي مثّلت هويّات مقاومة ضد الاحتلال والاستعمار من خلال الأعمال التي أنتجها روائيون وفنانون تم اعتبارهم بعد ذلك على أنهم "القوميون الأوائل" ، وذلك للدور الهام الذي لعبوه في تشكيل الهوية القومية التي كانت أساساً لمواجهة المستعمِر.

بذلك يعد السرد الأدبي وكافة أشكال الفنون وسائل ضرورية لخلق فهم جماعي للتاريخ يكون رافداً في ترسيخ الهوية التاريخية للأمة والنظر إلى الأمة في كينونتها التاريخية، أي في أبعادها الثلاث سواءً في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وهو مايعطي لكل فعل مقاوم وكل تضحية معنى سامياً يتجاوز اللحظة الراهنة ويصلها بماضي الأجداد ومستقبل الأبناء.

من هنا تأتي أهمية وقيمة السرد الأدبي والفنون بوصفهما أدوات تخييل لازمة لخلق الهويات المقاومة والتي يعجز التنظير الفكري الجاف عن بلورتها وخلقها كما تفعل الفنون والآداب.

نماذج للفنون التي مثّلت رافداً للمقاومة في الربيع العربي:
بطبيعة الحال انتشرت أشكال من الفنون في ميادين وساحات الربيع العربي ، فقد كانت اللافتات والملصقات ومسرح الشارع طرائق رئيسية استخدمها المتظاهرون لتحدي السلطة واستعادة المجال العام من قبضتها، كما استُخدِم "فن الهدم" لتحدي السلطة وكسر هيمنتها الرمزية والمادية، فمن خلال الاستهزاء العام برموز السلطة ومحاكاتهم والسخرية الكوميدية من خطاباتهم، استطاع المحتجون أن يكسروا هيمنة الدولة وسطوتها على النفوس والأجساد.

الفن والسرد الأدبي لا يغيران في حد ذاتهما موازين القوى، لكنهما يمثلان عوامل لا غنى عنها في تشكل الهويات المقاومة وضمان ديمومتها واستمراريتها.

كان فن الجرافيتي أحد أكثر أشكال الفنون انتشاراً في شوارع وميادين الدول التي شهدت انتفاضات شعبية، كما أنه أكثر أشكال الفنون تأثيراً ووضوحاً ، فالمقصود بهذه الرسومات هو إظهارها العلني في الفضاء العام وتحدي هيمنة السلطة من خلالها، من هنا سببت هذه الرسومات صداعاً دائماً للسلطة التي حرصت في كل مرة على إزالة آثارها وطمسها من المجال العام.

من خلال الجرافيتي والملصقات- التي عادة ماكانت تُرسَم في الخفاء آناء الليل – تتحول الشوارع والبنايات عند حلول النهار إلى معرض مذهل يذكر الناس بالمقاومة وتحدي السلطة، كما يمثل رافداً في تغذية روح المقاومة عند عموم الناس الذين يتصورون وجود جيوب للمقاومة لازالت تنبض بالحياة والأمل.

ظل الجرافيتي الطريقة الأكثر وضوحاً للتدليل على الحضور في المجال العام ولاستعادة الفضاء العام من قبضة السلطة، وبخاصة بعد قيام السلطات الانقلابية بمصادرة المجال العام والحدث الثوري وسد المنافذ أمام أي شكل من أشكال الحشود الجسدية ومواجهتها بالقمع والعنف المفرطيْن.

وإجمالاً يمكن القول أن الفن والسرد الأدبي لا يغيران في حد ذاتهما موازين القوى، لكنهما يمثلان عوامل لا غنى عنها في تشكل الهويات المقاومة وضمان ديمومتها واستمراريتها، كما يلعبان دور في مواجهة "الرواية الرسمية" للسلطة وكسر حضورها الطاغي وأدواتها في الضبط والسيطرة من خلال أعمال فنية مبتكرة أو عبر السخرية والكوميديا التي تحطم أثقال السلطة وتفكك تمائمها.