شعار قسم مدونات

طبيعيون ولكن..

blogs - gaz
نعم .. نحن طبيعيون، طبيعيون جدًا، راقبونا جيدًا، نلعب كرة القدم بدوريّاتٍ محليّة بين المدن المقصوفة، وعلى ملاعب خضراء تذكّرنا ببلادنا قبل ما يُسمى بـ "الثورة"، في مبارياتنا يجتمع الفريقان للتصوير ويبتسمون للكاميرات، ثم ينعي لاعبٌ من أحد الفريقين لاعبًا من الفريق الآخر، قد قُتل بقصفٍ لا نسمي فاعله كي لا نخرج عن طبيعيّتنا، وننشر لكل المشاهدين طبيعيّتنا أثناء الحياة، ولا يكترثون لطبيعيّتنا أثناء القصف والموت والحصار، فهم يحبون أن يروننا ونحن طبيعيين تمامًا.

لكننا طبيعيون، ودليل طبيعيّتنا أننا نلعب مع الأطفال لنريحهم نفسيًا، يرسمون فنكتشف من رسماتهم آلامهم، نعالجهم بالمسرح والرسم والرقص والعناق والقبلات، نعم نعانقهم ويبتسمون أمام الكاميرات، نعوضهم عن أهلهم الذين ذهبوا ضحايا هذا "الصراع المقيت" ولا نقول لهم من الجاني؛ حتى لا نربّي الحقد في قلوبهم. نعم نحن طبيعيون، نربّي الأمل فيهم فقط، لا نعرف أي أمل نربي، ولكن نربي شيئًا ما لعله يكون الأمل، ونحاول أن نُنسي الأطفال جو "الحرب الطاحنة" التي يعيشونها، ننسيهم البراميل التي سقطت عليهم، والبراميل التي ستسقط، ننسيهم جوعهم الماضي، ونطبخ الحجارة لجوعهم القادم.

نعم، نحن طبيعيون جدًا، نهتم بتمكين النسوة بالجندرة والمساواة والتحرر، فمجتمع "الحريم" لابد من القضاء عليه، رغم أن أحدًا ما يقضي على النساء ويقتلهنّ في بيوتهنّ قصفًا، وفي المعتقلات تعذيبًا، ولكن نحن نهتم بهنّ ونجتمع معهن للقضاء على الذكورية السائدة، لكنّ إحداهن تستثني ابنها؛ لأنه استشهد مدافعًا عنها، وأخرى أخاها؛ لأنه مُعتقل، وثالثة زوجها؛ لأنه قُتل مسحولًا وهو يقول بالحلبيّة "بنت عمي، مرتي تاج راسي". نلتقط "سيلفي" جماعية، ليرى المتحضّرون كم نحن طبيعيّون، ثم نتركهن ليرجعن إلى كل بيوتهن، فيحملن البيوت وأنقاضها، ويكنسنَ صوت القذائف وحدَهنّ. ثم نعود إليهن مرة أخرى، لنخلصهن من المجتمع الذكوري، ولا ننسى "السيلفي"، هكذا قال لنا الآخرون، هذا يساعد النساء في أجواء "الحرب الذكورية".

الخطر أن تنسى المجرم في سبيل التعاطف مع الضحايا، التعاطف مع الضحايا ليس غرضًا، المجرم هو الغرض.

على الرغم من كل شيء، نحن طبيعيون، نتلقى الدعم لنصنع الفرح فقط، لننشر قصص الحب والهوى، ولو اختلقناها اختلاقًا، المهم أن ننشرها، المهم أن نظهر أننا طبيعيون جدًا. نعشق دون خوف ولا اكتراث، فالدمار يشكل ديكورًا رومانسيًا، والقذائف والصواريخ تشكل سيناريو المغامرة لقصصنا، والمعارك ليست سوى ذاكرة العاشق الوله، وأَرَق العاشقة المنتظرة، نكتبها أو نصورها فيلمًا، لنظهر طبيعيين للغاية، فالآخرون يودّون ذلك.

نرسم على جدراننا المهدمة آمالنا، تحت هذه الأنقاض جثث، لن تحرك مشاعرهم صور الجثث ولو خرجت حيّة، ولو خرجت ميتة، فهم وراء الشاشات يحبون أن يروننا نرسم على الجدران، نكتب الشعر، عندها يتحدثون عنّا.

لن تحصل على تعاطفهم ما لم تكن طبيعيًا، تشكل قصة طبيعية ثم تدافع عن شخوصها، هذه هي اللعبة، هذا هو المكياج الجديد، مكياج الموتى، لكن، خطورة هذا الطريق، أن تنسى المجرم في سبيل التعاطف مع الضحايا، التعاطف مع الضحايا ليس غرضًا، المجرم هو الغرض.

طبيعيون تمامًا، نعزف، ونصوّر الأفلام، ونرقص ونتعالى على جراحنا، كل ذلك أمام الكاميرات، كي نقول لهم "أنقذونا، نحن مثلكم". نتعاطف مع ضحاياهم إذا ما قام مجرمٌ بينهم، كي نقول لهم "نحن أيضًا لدينا مجرم، أنقذونا". ثم يعودون إلى طبيعيّتهم في الحياة ونضيع نحن بين طبيعيّتنا أمام الكاميرات، وحقيقة الموت الهاطل علينا كالمطر.

هنالك فرقٌ، بين طبيعة حبّنا للحياة، وما ينتج عن ذلك من سلوكيات وخيارات (كدوريات كرة القدم ونشاطات النساء والأطفال)، وبين الطبيعيّة التي يحبها المشاهدون من وراء أعالي الحدود، رغم أن التهويل البصري هو الصيحة الأعلى لقرننا الحديث، وهذا ما يستخدم في السينما والإعلان والإعلام، إلا أنهم يحبون أن يروننا في هذا التناقض العظيم، بين هول ما يحدث وطبيعيّة ما نقوم به.

نحن طبيعيون ولكن.. أن نواجه كل هذا، فهو ما ليس طبيعيًا إطلاقًا.