شعار قسم مدونات

سفراء الجمال – مِدَقُّ الطيب

blogs - yemen
وَذُقتُ مَرارَةَ الأَشياءِ جَمعاً || فَما طَعمٌ أَمَرُّ مِنَ السُؤالِ

وَلَم أَرَ في الخُطوبِ أَشَدَّ هَولاً || وَأَصعَبَ مِن مُعاداةِ الرِجالِ
الأفوه الأودي

* * *
 

الحكمة يمانية، والشعر أيضا يماني. والتجارة والعمران وطرفا من أبهة الملوك كانت يوما هناك.
 

أمور الناس لا تنصلح إن تركوا بلا قائد شريف يرشدهم، وليس الأمر بأي قائد، فإن ساد الجهّال فلا رشاد ولا سرُى.

أترى الهدهد الذي رأى من العالم مع سليمان ما رأى، وعاين من المعجزات ما عاين، وهو ذاته معجزة، كان لينتبه لتلك البلاد لو لم تكن بالغة الأبهة والحسن. ذلك ما بدا من حديثه وهو يعرض على نبي الله سليمان تقريره، مخاطِبا الملك والرجل فيه قبل أن يخاطب النبي: فقال "أحطت بما لم تحط به"، وأنت الملك، "وجئتك من سبأ بنبأ يقين"، "إني وجدت امرأة تملكهم" وأنت الرجل، "وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم" وأنت الملك الذي تأمر الريح فتطيع! كل ذلك قبل أن يقول له "وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله"، وهو موضع رسالته.
 

زالت سبأ وجاءت حمير، وبينهما تاريخ وأحداث، لنشهد في أوان حمير حياة شاعر، فارس حكيم، وحزين، هو صلاءة بن عمرو بن مالك بن عوف، ومعنى صلاءة أي مدق الطيب، وهو الحجر الذي يدق عليه الطّيب وتخلط عليه العطور. أما الاسم الذي عرف به، فهو الأفوه إذ كانت شفتاه غليظتان، فعرف بهما، قيل في الفوَه سعة الفم، وقيل خروج الأسنان وطولها.
 

توفي قبل البعثة بنصف قرن، أي أنه توفي قبل ميلاد الرسول عليه الصلاة والسلام بعشر سنين، على بعض الروايات، وإن كان تحقيق الأزمنة آنذاك صعب وغير دقيق.
 

وحاولت أن أجد ما يروي الظمأ عن حياة الرجل فلم أجد إلا أطراف حكايات صغيرة موزعة في الكتب، على كثرة ما يرد اسمه وشعره في الاستشهاد، سواء في كتب اللغة أو في كتب البلدان، بل إن مواضع اندرست لا يجد ياقوت الحموي لها أخبارا إلا إشارة في شعر الأفوه فيوردها منسوبة إليه دون استدلال على موضعها، إذ كان الأفوه الأودي من أكثر الشعراء ذكرا للمواضع في جنوب الجزيرة العربية حيث عاش.
 

أشهر أبياته التي نحفظها منذ كنا صغارا هو قوله:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهّالهم سادوا
 

والسراة بالفتح أعلى الشيء ومعناه الشرف، وبالضم هو جمع "ساري"، وعلى أي كان اللفظ فمعنى البيت أن أمور الناس لا تنصلح إن تركوا بلا قائد شريف يرشدهم، وليس الأمر بأي قائد، فإن ساد الجهّال فلا رشاد ولا سرُى.
 

وهذا الغضب البادي في البيت، تتكشف لنا تفاصيله إن تتبعنا القصيدة كاملة، والتي يقول في مطلعها:

مَعاشِرُ ما َبنوا مجدا لِقِومِهِمُ
وَإِنَّ بَني قَومِهِم ما أَفسَدوا عادوا
لا يَرشُدون وَلَن يَرعوا لِمُرشِدِهم
فَالغَيُّ مِنهُم مَعاً وَالجَهلُ ميعادُ
كَانوا كَمِثلِ لُقَيمٍ في عَشيرَتِهِ
إذ أُهلِكَت بِالَّذي قَد قَدَّمَت عادُ
أَو بَعدَه كِقُدارٍ حينَ تابَعَهُ
عَلى الغِوايَةِ أَقوامٌ فَقَد بادوا
 

وما تكاد تصل إلى هذين المثلين حتى يصيبك حزن كحزنه وخشية كخشيته، على هلاك الأمم رغم وجود بعض العقلاء فيها، كلُقَيم، وهو تصغير اسم لقمان، الذي هلك قومه نتيجة أفعالهم، رغم حكمته التي ظلت مضرب المثل عند العرب. أو هم كقدار بن سالف الذي جلس مع صحبه كما تقول الرواية يشربون الخمر، فلم يجدوا ماء يمزجوها به، لأنه كان يوم شرب الناقة، فحرض بعضهم بعضا أن يعقروها، فلما فعل قدار سارع العامة إلى نبي الله صالح يبرؤوا أنفسهم من الفعل لئلا يصيبهم العذاب، لكن العذاب كان قد قدر، فكان عقر الناقة يوم الأربعاء وإهلاكهم يوم الأحد.
 

ديوان الأفوه صغير، مليء بالفخر، والحكمة والفروسية، وفيه صورة من حياة الجنوب العربي وطبيعته، إذ كانت اليمن أرض ممالك وملوك، وكانت أرض تجارة وقصور.

وهذه الشكوى القديمة، تظل باقية وإن تغير الزمن، وتبدلت الأحوال، ففي كل قوم معشر لا يبنون لقومهم، ولا يقدمون إلا الإفساد فيما يبنيهم غيرهم.
 

وقصيدة الأفوه هذه، مما تبث أبياتها دوما في أبواب النصح للملوك في مدونات العرب، وفيها أيضا:

تلفى الأمور بأهل الرشد ما صلحت || فإن تولوا فبالأشرار تنقاد

فإن تولى أهل الحكمة عن القيادة طواعية، فطبيعي أن يليها الأشرار.
 

ديوان الأفوه صغير، مليء بالفخر، والحكمة والفروسية، وفيه صورة من حياة الجنوب العربي وطبيعته، إذ كانت اليمن أرض ممالك وملوك، وكانت أرض تجارة وقصور، ومن صفات حياة العرب قبل الإسلام التي نجدها في شعره، قوله في رثاء نفسه:

أَلا عَلِّلاني وَاِعلَما أَنَّني غَرَر وَما خِلتُ يُجديني الشَفاقُ وَلا الحَذَر
وَما خِلتُ يُجديني أَساتي وَقَد بَدَت مَفاصِلُ أَوصالي وَقَد شَخَصَ البَصَر
وَجاءَ نِساءُ الحَيِّ مِن غَيرِ أَمرَةٍ زَفيفاً كَما زَفَّت إِلى العَطَنِ البَقَر
وَجاؤوا بِماءٍ بارِدٍ وَبِغِسلَةٍ فَيا لَكَ مِن غُسلٍ سَيتبَعُهُ عِبَر
 

فهو يصف حاله وقد دنا موته، طالبا من رفيقيه أن يعللاه لعله يشغل عما به، رغم عدم ثقته بأن هذا قد ينفع. وقد جاؤوا له بالماء استعدادا لغُسْلَةٍٍ سيكون بعدها عِبرٌ، وفيه دليل على معرفة العرب لغسل الجسد للميت، فكيف بالحي، وكيف به وهو صانع الطِّيب كما يقول اسمه، وكما يقول شعره.
 

بل إنه يقول بعد قليل عن قبره:

إِلى حُفرَةٍ يَأوي إِلَيها بِسَعيِهِ فَذَلِكَ بَيتُ الحَقِّ لا الصوفُ وَالشَعَر

ولقد كان سعيه طيبا فهو الذي يقول:

إني لأعطي الحق من لو ظلمته، أقر وأعطاني الذي أنا طالبه
وآخذ حقي من رجال أعزة وإن كرمت أعراقهم والمناسب