شعار قسم مدونات

ذاكرة تأبى أن تهاجر

وكلما جاء المطر، قدم لي عنوانا آخر للحزن؛ فثمة علاقة بين المطر والدموع، فمن هذين اللحنين تعزف الطبيعة أحلى ألحانها، ويهدأ القلب بعد أن هده طول التعب وعمق الوجع. وهذا التناغم الرائع، والتوحد بين الدمع وبين المطر الناعم، وهو يغسل ليل الطرقات الحزينة، يؤلف سيمفونية الحياة وإيقاع الوجود.

أذكرها الآن، لم تغب عن بالي أبدا تلك اللحظات التي كانت تجمعنا حول موقد نلتف حوله، يتداخل فينا الواحد بالآخر، فلا ترى غير كومة بشرية متصلة، لا تكاد تنقطع، والمطر في الخارج يدق طبولا، يعلن فيها حربا لاهوادة ولا نهاية لها، على تلك الأجساد التي لازالت تعمل، لا يرهقها حر ولا يوقفها مطر؛ لأن دوي الأطفال المنتظرين أقوى من رعود كانون، وأشد من شموس آب.

كنا كثيرون والدائرة حول الموقد واسعة، نشعر بنصف دفء يبعثه الموقد، والنصف الآخر يبعثه صوت أبي الذي مازال يخترق خاصرتي كنصل السيف، يشير إلينا الواحد تلو الآخر، يرسم لنا مستقبلنا، فنمتطي صهوة الأحلام، نبحر في مجاهيل الغد القادم، نبني قصورا بين ذرات السحاب، نسكن فيها، تزهر براعم الصبح، نغني للسعادة، ينسكب المطر؛ فيكبر الدحنون في حديقة المنزل، وتنبت شقائق النعمان وتغني البلابل في أعشاشها، ويخلع أبي معطفه القديم، ليرقب حبيبات المطر، تعانق الزجاج، فتختفي عداوته الأزلية مع المطر، لترتسم البسمة على وجوه الصغار.

يرهقني التذكر وهذه التفاصيل الصغيرة، التي هاجرت ومازالت تسكنني، تظهر عُريي، وترميني في مواجهة الليل وحدي.

يهرب العمر من بين أصابع الزمن، وأغادر المسرح والستار لم يسدل بعد، أركض خلف أحلامي المهاجرة، أستنبت في الغربة أشجارا أخرى، أصنع لها ظلا مزيفا، يهرب الظل ويظلون أشباحا، حطاما من الماضي، وذكريات تتطاول حتى تغمرني، تضيع معالمي، وأظل دوما أذكر طعم الأيام الأولى.

مازلت أذكره يشير إلينا الواحد تلو الآخر، ويود لو اخترق حاجز الزمن، أو لو يطل من كوة الأيام المتبقية إلى المستقبل كي يراه، فمن سنين تتجاوز حد الخرافة ما انفك يصارع الأيام بضراوة تحلو أحيانا، وتمر أحايين كثيرة، ويسير بنا العمر لا نكاد نلمحه، يأخذنا نحو عالم الرجولة، يرسم خطوطا سوداء فوق شفاهنا، تكبر الرغبات فينا، ويشتعل الإحساس، وشعيرات بيضاء تغزو رأس أبي وما انتهى الحلم بعد، وتضج برغباتنا دروب الطفولة، تقذفنا نحو عالم آخر جديد، نحياه ثم لا نلبث أن نحمله ذكرى في حقيبة سفر.

كنا كثيرون، والدائرة حول الموقد واسعة، لكنها صغرت، ونضب العمر المتبقي في كأس القادمين منذ البعيد، فاختفت وجوه واشرأبت أعناق جديدة، وبدأت تصنع دائرة صغيرة، ما لبثت أن كبرت بوجوه ما زالت ناصعة البياض.

ما زلت أذكرها، وهذه الذاكرة المتوقدة ترفض أن تهاجر في النسيان، يرهقني التذكر وهذه التفاصيل الصغيرة التي هاجرت ومازالت تسكنني، تظهر عُريي، ترميني في مواجهة الليل وحدي، أصارعه فيصرعني، تضطرب الأمواج في داخلي، تتمزق الأشرعة، فأتمزق أشلاء، وتهدأ بداخلي الجوارح، فأدخل في موتي الأصغر، ويظل الأنين يوقظني، وما بين الليل والليل، تطلق ساعة العمر صفاراتها، وينطلق موكب الأحياء وسط الزحام، تتدافع المناكب بعضها ببعض، وأظل وحيدا مع ذاكرتي..