الموهوبون بين الإبداع وكفر نعمة الوهَّاب

blogs - talk
فإنه من المفاهيم المغلوطة: مفهوم حرية الإبداع وأن الثقافة لا سقف لها؛ والصواب إن لكل شيء سقفًا وحدودا، حتى الإبداع. بل إني أرى أن الموهبة الحقة، هي التي يستطيع أن يبدع صاحبها في ظل القيود. لا الذي ترك له الحبل على الغارب، بل كلما زادت القيود، كلما أثبت المبدع موهبته، كألعاب الذكاء، كلما صعدتَ فيها درجة، كلما زادت القيود وزاد التحدي وظهرت الموهبة، وكان الفوز أحلى طعمًا.
 
الشاعر في قصيدته يتجرأ على الله تعالى نظماً، وأداءً صوتياً وبدنياً، ويعترض على قدَرِه، ويصرح أنه إنما آمن به لأجلها، ثم هو أخذها!

لاسيما الشعر دون سائر الفنون والمواهب الإبداعية. فإن الشاعر مقيد بطبيعة الحال بوزن وقافية وضوابط، يعرفها البلاغيون لفصاحة الكلمة وسلامة النظم …الخ، وإلا لقال الشعرَ كلُّ متكلم، ولَمَا كان للموهوبين منهم تميُّزٌ. حتى إن التصفيات في مسابقات الشعر، تكون بزيادة تلك القيود، فيلزمونهم بمجاراة شاعر معين في قصيدة معينه، أو تذكر لجنة الحكم صدر بيت وتترك عجزه لخيال المتسابق الموهوب. وإن الضوابط الشرعية أولى بالاهتمام من الأصول الشعرية المرعية في صناعة الإبداع. هذا من ناحية.
 

ومن ناحية أخرى، فإن هذه الموهبة -أيا كان نوعها- فهي من الله تعالى، فهو الوهَّاب سبحانه، وهي نعمة يختص بها من يشاء من عباده، فإذا استخدمها الموهوب في مراضي الوهاب، فقد شكر له نعمته، وإن تجرأ بها عليه، فذلكم هو الكفر -أقصد كفر النعمة الذي يقابل شكرها-.
 

حضرني هذا المعنى منذ أيام، لما سمعت آخر قصائد الشاعر المشهور والموهوب، والمبدع شعرا وأداء وإلقاء، في ذكرى وفاة أمه المبدعة أيضًا، والتي سقته الموهبة مع لبان الرضاعة -رحمها الله-.. فإذا هو في قصيدته يتجرأ على الله تعالى نظما وأداءً صوتيا وبدنيا، ويعترض على قدَرِه، ويصرح أنه إنما آمن به لأجلها، ثم هو أخذها! وأنه تركها تتألم في مرضها ولم يشفها، وهو قادر على ذلك.
 

وكأن الشاعر الموهوب المبدع يعترض على الله تعالى أن لم يشف أمه التي دلته عليه، وكأنه يمتن على الله هو وأمُّه. البعض، – بل الكثير، بل الأغلبية، بل السواد الأعظم ـ من الناس يرى ذلك إبداعًا، ويمنح هذا الشاعرَ الحرية المطلقة، وآخر يعتذر عنه بأنه ليس شرطًا أن يكون معتقدا لما فهمتُه أنا من قصيدته. يذكرني ذلك بجواب أحمد شوقي أمير الشعراء، لما عوتب في قوله في الخمر "رمضان ولى هاتها يا ساقي.. مشتاقة تسعى إلى مشتاقِ" فقال: ألم تسمع قول الله عن الشعراء ((وأنهم يقولون ما لا يفعلون)).
 

فأنا لا أتكلم عن اعتقاد الشاعر، فذلك أمر آخر، ولو ثبت لكان له حكم آخر لا يناسبه هذا المقال؛ وإنما أتكلم عن تصنيف هذا العمل الفني. لذا وضعت هذا العنوان للمقالة: "الموهوبون بين الإبداع وكفر نعمة الوهَّاب". والبعض الآخر يقول معتذرا عن هذا النوع من (الإبداع) إن المبدع يتوهم شخصية ما في خياله ثم يتكلم على لسانها، فمثلا، لم تكن للأعشى محبوبة اسمها "هريرة" لما قال: ودّع هريرة إن الركب مرتحل.. وهل تطيق وداعا أيها الرجل. ولم تكن لكعب بن زهير حبيبة اسمها سعاد لما نظم بردته الشهيرة "بانت سعاد"، وهكذا.
 

وبصرف النظر عن سذاجة هذا الاعتذار، حيث إن الشاعر يتكلم عن واقع ويحكيه، فإن هذا الكلام يذكرني بالفنانات (المبدعات) اللاتي يقلن إن (الشخصية) هي التي تقبِّل الرجال في الفيلم وليست أنا. خلاصة القول: ((ما لكم لا ترجون لله وقارا)).