"القنوات الإخبارية .. وصناعة الوهم"

blogs-إعلام

لم يعد بمقدور أحدٍ الانعزال عن متابعة الأخبار ومعرفة ما يستجد منها من وقائع وأحداث من حوله، خاصة بعد الانفجار الإعلامي والإلكتروني الهائل في السنواتِ العشرين الماضية، وما تلا ذلك الانفجار من تخلُّق قنواتٍ إخبارية خاصة، جاءت لتصدم المشاهد العربي، وتعيد تركيب وعيه بعد أن ظلَّ لعشرات السنين حبيسَ الإعلامِ المحلي، بإذاعته وتلفزيونه وأخباره التي لا تخرج عن نمطٍ واحدٍ معتاد من المهد إلى اللحد.

وكان الزهد في متابعة أخبار القنوات الرسمية طبيعياً جداً، وهو زهدٌ أسهم في تقوية جانب الانكفاء على الذات الخاصة، والاهتمام بالمعيشة للمواطن العربي، بعيداً عن السياسة التي يدرك هذا المواطن جيداً، أنه لا ناقة له فيها ولا جمل.

كل هذه الأحداث كانت مجالاً خصباً لانتشار سرطان القنواتِ الإخبارية، مع وجودِ تباين شاسع بين قناة وأخرى، ولكنَّ الهدف السياسي والايديولوجي والطائفي واضح جداً لكل قناة

ومع أنّ فكرة إنشاء قنوات إخبارية متخصصة ليست بالقديمة جداً، عطفاً على أمهات القنوات الإخبارية العالمية، وتحديداً قناة سي إن إن الأمريكية CNN التي كانت أول قناة إخبارية تبث الأخبار عبر ساعات اليوم الأربع والعشرين، وكان هذا حدثاً صادماً أيضاً لوعي المجتمع الأمريكي، والذي ما يزال إلى الآن بحسب استطلاعات الرأي العالمية أحد أكثر المجتمعات المتأثرة ببروجندا الأخبار، والمنساقة بعماء لتصديقها، خاصة وأنّ غالبية عظمى من الأمريكيين لا تعبأ بمتابعة القنوات الإخبارية العالمية وأخبارها،

مع كل ما سبق فإنّ التأثير الإعلامي للقنوات الإخبارية الأمريكية على وعي الجمهور قد كان كبيراً جداً، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وأحداث الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003م.

وببزوغ فجر القنوات الإخبارية العربية، والتي لم تتأخر كثيراً -زمنياً- عن القنوات الغربية، ويمكن تحديد زمن نشأتها بالعام 1996م، حين أطلت قناة الجزيرة من الدوحة، كأول قناة إخبارية عربية تبث طوال ساعات اليوم، وما صاحب القناة في بدايات بثها من قبول ورفض من فئامٍ كثيرة في المجتمع العربي، بسبب الاختلافات السياسية والايديولوجيا، وبعض المسارات الخاصة والجديدة التي ارتأت القناة أن تسير عليها، ومع اختلاف سياسية القناة بين وقتٍ وآخر تبعاً للظروف والمصالح السياسية، ومع ذلك لم تختلف الشعارات الرئيسة للقناة.

ولا يزال سيلٌ هادرٌ من القنواتِ الإخبارية يقتحمُ الفضاءَ إلى لحظتنا الراهنة، وسط أزماتٍ وحروبٍ مستمرة منذ اندلاع حرب الخليج الثانية، مروراً بنشوء التنظيماتِ الجهادية، وأحداث الحادي عشر من أيلول، وغزو العراق، والحرب الإسرائيلية اللبنانية، والأزمة المالية العالمية، وثورات الربيع العربي، وما تلاها من انتكاسات، وسيلان نهر الدم السوري منذ خمس سنوات إلى اللحظة الراهنة؛ كل هذه الأحداث وغيرها كانت مجالاً خصباً لانتشار سرطان القنواتِ الإخبارية، مع وجودِ تباين شاسع بين قناة وأخرى، ولكنَّ الهدف السياسي والايديولوجي والطائفي واضح جداً لكل قناة، من هذه القنوات المتعددة.

وبعيداً عن تخصيص قناةٍ إخبارية عربية بعينها، وبمرورٍ سريع على كلِّ هذه القنوات، سواء منها تلك التي تحظى بدعمٍ حكومي من دولة المنشأ، أو تلك التي تبدو مستقلة في مواردها وأهدافها، يتضح بهذا المرور السريع أنّ هذه القنوات في الغالب لا تقدم للمتابع لها أكثر من تلك الشعارات البراقة المغرية الفاتنة، والتي لا تلبث أن تتحول إلى واقعٍ آخر مغايرٍ تماماً لتلك الشعارات التي تستخدمها كمصيدة مُتقنة للعقل العربي، وبوقوعه في هذه المصيدة سيتحول إلى كائنٍ دوغمائي ببغائي عديم الفكرِ والرأي.

ويمكن وضع سلسلة من الأوهام التي تستند عليها تلك القنوات لتأطير ذاتِها بإطارٍ خلاّب، كوهم "المهنية والحياد"، ذلك الوهم الذي يتبدّى على حقيقته في المهنية الفنية الشكلية الإخراجية للخبر، وتأثيث استديوهات الأخبار…إلخ،

بينما لا تكاد المهنية بشقها المعنوي والأصيل تحضر إلاّ حين يكون استدعاؤها في صالح سياسة القناة، وأفضل مثال حقيقي لانعدام المهنية الحقيقية والحياد في هذه القنوات هو برامجها الحوارية والتي يتخذ فيها المذيعُ المُحاوِرُ دائماً دوراً ثانوياً، يصل أحياناً إلى الوقوف بكل فجاجة ووقاحة مع ضيفٍ أو رأيٍ ضد الآخر.

إنّ أخطر ما يمكن أن يصاب به المهتم بمشاهدة القنوات الإخبارية العربية، هو الوقوع في هوى قناةٍ إخباريةٍ محددة،

أما وهم الاستقلالية فهو من أكثر الأوهام التي تشترك فيها جميع القنوات الإخبارية، مع أنّ الواقع الواضح للعيان يثبت أنّ كل قناةٍ من تلك القنوات تابعةٌ بشكلٍ أو آخر لحكومةٍ أو فكرةٍ أو طائفةٍ ما، وبنظرة بسيطة في أسلوب صياغة الخبر الواحد بين عددٍ من هذه القنوات يتضح البونُ الشاسع بين قناةٍ وأخرى، فمن قناة لأخرى يتبادل طرفا الخبر دور الضحية والجلاد، والجاني والمجني عليه، دون وازع من ضمير أو أخلاق، وذلك أمر طبيعي في ظل انعدام الاستقلالية، ووضوح التبعية السياسية لهذه القنوات، والمؤسف حقاً هو أن تفتقر بعض القنوات الإخبارية العالمية الناطقة بالعربية أيضاً لاستقلاليتها التي تبدو أكثر وضوحاً في القناة الناطقة باللغة الأم.

إنّ الدور الحقيقي الذي تمارسه القنوات الإخبارية العربية الآن، هو ذات الدور الذي تمارسه الطوائف، والمعتقدات، والمطامع السياسية، بحروبها الدائمة، وأوهام الاستحواذ على الآخر، وإرغامه على الخضوع، وكل هذه الدماء التي تجري في ربوع هذا العالم العربي هي حصيلة ابتدائية لهذه النزَعات والنزاعات الأيديولوجية، التي أصبحت القنوات الإخبارية العربية متبنيةً لها، ومنافحةً عنها، وكأنّ صراعنا الآن هو صراعُ وجود، ولم يعد باستطاعة هذه الرقعة من الأرض أن تحتضننا جميعاً بمختلف عقائدنا وآرائنا وأفكارنا.
 

إنّ أخطر ما يمكن أن يصاب به المهتم بمشاهدة القنوات الإخبارية العربية، هو الوقوع في هوى قناةٍ إخباريةٍ محددة، عندها سيتم استلابُه بالكامل، دون أن يشعر بذلك، لينضم إلى القطيع الخاص بهذه القناة، وكلما ازداد أعداد القطيع في قناةٍ ما، ارتفعت أسهمها في أعين ملاكها ومديريها.

عزيزي المشاهد، مهما أمعنتَ في متابعة هذه القناة الإخبارية أو تلك فلن "تعرف أكثر" مما تريد القناةُ لك أن تعرفه، وسيكونُ "الرأيُ والرأيُ الآخر" حاضراً أمامك، ولكنّك لن تخرج إلاّ بالرأي الذي تريد القناةُ إيصاله إليك، لأنّ المهم هنا هو أن تظل شعاراتُ القنواتِ فاتنةً مغرية خلاّبة، أمّا واقعها فلا يختلف كثيراً عن واقع الإنسان العربي.