شعار قسم مدونات

الفلسطيني بين العطف والاستدراك

عطفاً على ما حدث، فإن الفلسطيني الشاب، لم ير من الماضي سوى مشروعان منفصلان تماماً، المقاومة المسلحة كخيار وحيد للتحرير، والمفاوضات السلمية كخيار وحيد للاستقلال، بالرغم من كونهما معاً أحد أهم متطلبات أي حركة تحرير وطني.

في حرب 2014 الأخيرة، كان واضحاً الانقسام بين المستويين العسكري والسياسي الفلسطيني، والفجوة الكبيرة في الآراء المطروحة داخل الوفد الفلسطيني المفاوض الواحد، وأكثر وضوحاً استغلال ذلك الانقسام من المستوى السياسي والعسكري إسرائيلياً، غاب عن ذلك تماماً الرؤية الموحدة الواجب تقديمها للمجتمع الدولي.

افتراض مثبت أن المجتمع الدولي، يدفع حركات التحرر نحو نمط واحد من المقاومة، وعليه، فإن تمتع حركات التحرر الوطنية بالمرونة الكافية للانتقال بين أشكال المقاومة، يعطي شرعية أكبر لها في المجتمع الدولي، عبر تكوين وسائل جديدة لها، واعتماد أشكال متنوعة من المقاومة، دون تجريم أو نفي الحق باللجوء لبقية الأشكال، كالمقاومة المسلحة، أو الشعبية، أو الشعبية المسلحة.

خيار المزج في رؤية موحدة، هو المخرج للفلسطيني الشاب الجديد، الذي يعايش خلاصات تجربتين لم تنضجا بعد، وتقديمه نموذجاً أكثر قوة في أشكال المقاومة.

افتراض آخر مثبت، أن حركات التحرر كلها على مدار التاريخ، من دول أمريكا اللاتينية غرباً، حتى الفيتنام شرقاً، وجنوب أفريقيا، لم تستطع التحرر دون دفع القوة؛ لاستدراج مطالب الانفكاك من الحركة الاستعمارية، فقد كان "هوتشي منه" يفاوض في باريس، ويقاتل في فيتنام، كذلك نيلسون مانديلا، غير دور أجندة الفاعلين والقوى الدولية في المجتمع الدولي، بعد توحيد الجهد الثوري، عبر قيام المجلس الوطني الإفريقي باعتماد سياسة المقاومة المسلحة، كخيار أساسي متداخل مع العلم السياسي.

ثالث الافتراضات هو خلط المال بالسياسة، عبر استدراج مدارك الشعوب وثرواتها بالمساعدات الخارجية، والتي باتت السلطة الفلسطينية أعجز من التخلي عنها، في ظل عدم وجود أي بديل عربي غير مشروط، مما دفعها لمقصلة المال السياسي، لسداد رواتب القطاع العام، دفع ذلك أيضا المانحين الجدد لإعادة بلورة هذه المساعدات، ضمن سياستهم ومصالحهم، فقط دون الالتفات إلى أي تنمية حقيقية سياسية واقتصادية مصاحبة لهذه المساعدات، وقد أظهر الحراك السياسي الذي تقوم به السلطة في المحافل الدولية الابتزاز بالمال السياسي.

استدراكاً للعطوف السابقة، فإن خيار المزج في رؤية موحدة، هو المخرج للفلسطيني الشاب الجديد، الذي يعايش خلاصات تجربتين لم تنضجا بعد، وتقديمه نموذجاً أكثر قوة في أشكال المقاومة، ابتداءً من عمليات فردية فشلت إسرائيل في قمعها، وأطلقت عليها "الذئب المنفرد"، وليس انتهاءً بحركة مقاطعة عالمية ضاغطة (اقتصادية وسياسية وأكاديمية) كان الجيل الجديد ترسها المحوري، فهو يحاول إدراج السياسيين الكبار فيما توصل له بخلاصته الجديدة، المزج بين الخيارين، إن أفسح الجيل القديم له الطريق لذلك.

واستدراكاً على مجموع الفشل، بعد خطيئة تحويل كافة المناضلين والمقاتلين قبل أوسلو، لمجموعة من المرفهين في سلك السلطة، والمتلقين للمساعدات بشكل مباشر، ظلوا في مناصبهم حتى تجاوزوا السبعين وقل الثمانين، في غياب واضح لتجربة الشباب الجديدة، الذين هم أقدر على التعامل مع معطيات العصر الجديد، وهامش التضحية بالخبرة، مقبول في ظل انسداد كاملٍ في الأفق السياسي في كافة الأطراف.

كان علينا أن نعطف اتجاهنا باستقلالية أكثر نحو حراك الفلسطينيين في الجوار، على الأقل لحسم الموقف في إفراز موقف جديد ضاغط على الجميع، حراك لا يخضع لأي ترتيبات، يترك إلى العفوية المطلقة والروح الشبابية، حتى لا يتهم أحد بتسيسه.