شعار قسم مدونات

الطرح المستحيل في الدولة المستحيلة (3—4)

لا يجب أن يفهم نقدي لكتاب "الدولة المستحيلة" على أنه تنفير منه، أو دعوة لتجاهله، بل على العكس من ذلك، إذ لم أنهض إلى نقده إلا بعدما لمست فائدته واستشعرت أهميته، ولأنه كذلك، كان نقده أوجب علي من غيره لتذليل الحواحز بينه وبين القراء الذين حيرتهم أطروحة الكتاب، وانقسموا بين معجب به وساخط علي.
 

وليس هذا الفريق ولا ذاك على قلب رجل واحد، فمنهم من أعجبه التيئيس من العمل على إحياء وإقامة "الدولة الإسلامية" و"الخلافة" على شكل "الدولة الحديثة" أو بالتصالح معها، لأن ذلك يصب في رؤيته التي لا تقبل إلا بالأشكال التاريخية للحكم الإسلامي، ومنهم من أعجبه نقضه للحداثة وتفنيد بعض مرتكزاتها والتشكيك العميق بمثاليتها وكشف عوارها، ومنهم من أعجب به لأنه يقطع الطريق على الإسلاميين "الماضويين" الذين ينشدون دولة مدنية بمرجعية إسلامية، أما الساخطون عليه فهم أولئك الذين يقبعون في الطرف المقابل لأولئك.

نقدنا لـ"الدولة المستحيلة" يتركز في ثلاثة محاور، شكل الأطروحة، والمبالغات التي اعترت نقاشاته، والتناقضات التي تناثرت بين ثنايا الكتاب. وسنستعين لتوضيح القصد من النقد بكتاب "الإسلام بين الشرق والغرب" لعلي عزت بيغوفيتش، والمقارنة بينه وبين كتاب وائل حلاق، ولن يفوتنا التنويه بمزايا الكتاب وأبرز الأفكار الفريدة التي تضمنها.
 

تطور شكل الحكم في كل دولة اتسعت ونمت في التاريخ، فالسجن ظهر في عهد عمر بن الخطاب، والشرطة ظهرت في عهد معاوية بن أبي سفيان، والمدرسة ظهرت بأشكالها الأولية منذ فجر التاريخ ثم تطورت

على مستوى شكل الأطروحة؛ يعد وصف الكتاب بـ"المربك" أمراً مفهوماً، وذلك بالنظر إلى أنه يطرح بالأساس مقارنة بين نموذجين غير منتميين إلى دائرة واحدة، فهو يقارن -عملياً- بين ما هو نظري في نموذج وبين ما هو عملي في النموذج المقابل، يقارن بين "الحكم الإسلامي" بوصفه نموذجاً عملياً تاريخياً مقطوعاً عن النصوص المؤسسة له، ومنبتاً عن الكثير من المعايير النظرية التي تضمنتها تلك النصوص.
 

ويصرح بأن المقصود بـ"الحكم الإسلامي" هو ما عناه للمسلمين على مدار 12 قرناً قبل الاستعمار، وبين "الدولة الحديثة" بوصفها نموذجاً وضعياً نظرياً مقطوعاً عن التجربة العملية والتجليات الواقعية له، ومن المعلوم أن كل النظريات السياسية التي عرفها العالم وجدت طريقها إلى التشوه والتعديل عندما نزلت إلى أرض الواقع على تفاوت في ذلك، وهذا ملحظ لم يأبه له المؤلف على الإطلاق من الناحية التطبيقية، وإن كان ألمح إليه نظرياً.
 

وفي نفس السياق، استعان وائل حلاق بمفهوم "النموذج" ليضفي على طرحه قدراً من الاتساق، حيث استطاع من خلاله نمذجة "الحكم الإسلامي" في صورة واحدة لا تقبل التنوع أو الاختلاف، واستلال صور معينة من أساليب الحكم في التاريخ الإسلامي وتصويرها على أنها الأصل، مثل الزعم بأن الحكم الإسلامي اعتمد تاريخياً على "المماليك" في الجانب العسكري، وهم الأسرى الذين تلقوا تربية عسكرية خاصة.
 

وبنى على ذلك تصوراً صارماً حول "الجهاد" والعسكرة في الإسلام، وهو ما سنناقشه فيه، رغم أن هذا (المماليك) لا ينطبق إلا على فترة حكم الزنكيين والأيوبيين في الشام ومصر حصراً، وهي حقبة قصيرة نسبياً ومساحة جغرافية لا تمثل إلا جزءاً يسيراً من العالم الإسلامي، ناهيك عن أن الحكم هنا آل إلى المماليك أنفسهم واستمر أقل من 5 قرون، قبل أن يطيح بهم التوسع العثماني.
 

كما استعان المؤلف بمفهوم "النموذج" ليمارس النمذجة ذاتها بحق "الدولة الحديثة"، إنما من خلال استلال تصورات فلسفية محددة دون غيرها ناهيك عن تجاهل التجارب والتطبيقات العملية، وهنا ليس الخلاف مع حلاق على نقده أسس الدولة وترسانة الأيديولوجيا التي تحملها، وتضخمها المخيف الذي فرض هيمنتها على الفرد والمجتمع على نحو غير معهود في التاريخ، وإنما على تهويلات ومبالغات كان يمكنه الاستغناء عنها.

وسأبين ذلك من خلال المقارنة بين نقد وائل حلاق لـ"الحداثة" ونقد علي عزت بيغوفيتش للحضارة المادية، وكلاهما ينطلق من مكان واحد، ويحملان رسالة واحدة، إنما يختلفان في المعالجة، ويصلان إلى نتيجة مختلفة "نسبياً"، وإضافة إلى ذلك، تنطوي المقارنة بين نموذجين ينتميان إلى حقبتين زمنيتين متغايرتين على مغالطة، إذ تتغافل عن أثر التراكم المعرفي والتطبيقي في تطور ونشوء الكثير من النظم السياسية والاجتماعية التي تحكم حياة الفرد والمجتمع، تماماً كما هو حال التطور الحاصل في الأدوات والتقنيات والوسائل.

وهذه الثغرة تظهر جلياً عند حديث المؤلف عن "وسائل الضبط والمراقبة" في الدولة الحديثة، حيث يعتبر أن ظهور السجن والمدرسة بشكلها الحالي والمستشفيات والشرطة وسوى ذلك من مؤسسات المراقبة والضبط شأن خاص بالدولة الحديثة. وذلك بالرغم من أن جميع هذه المؤسسات وجدت قديماً في صدر الإسلام وفي غيره على حد سواء، وهو شأن يرافق -على الأرجح- تطور شكل الحكم في كل دولة اتسعت ونمت في التاريخ، فالسجن ظهر -إسلامياً- في عهد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، والشرطة ظهرت في عهد معاوية بن أبي سفيان، والمدرسة ظهرت بأشكالها الأولية منذ فجر التاريخ، وتطورت في كل العصور والعهود.

 

الفرق بين الأشكال الأولية وبين صورتها الحديثة هو فرق في النوع وليس في الكم، أي أنها باتت في الدولة الحديثة ذات أدوار ووظائف تختلف جوهرياً عن تلك التي تنتمي إلى عصور ما قبل الحداثة

ورغم أن حلاق يتغاضى عن هذه الوقائع إلا أنه يمكن استنباط رأيه من الكتاب بأن الفرق بين تلك الأشكال الأولية وبين صورتها الحديثة هو فرق في النوع وليس في الكم، أي أنها باتت في الدولة الحديثة ذات أدوار ووظائف تختلف جوهرياً عن تلك التي تنتمي إلى عصور ما قبل الحداثة، وعند هذه النقطة بالتحديد يمكن الاتفاق مع حلاق تماماً، لكن قوله بأن "الإسلام لم يعرف وسائل المراقبة الخاصة بالدولة الحديثة " زعم لا يقوى أمام حقائق التاريخ، ومبالغة سنجد ما يماثلها بكثرة بين ثنايا الكتاب.
 

ورغم النمذجة المشار إليها والتي تجعل من "الدولة الحديثة" ظاهرة ثابتة غير قابلة للتعديل، يستدرك حلاق بأن أطروحته "لا تعني أن أن الدولة الحديثة ظاهرة ثابتة لا تتغير، أو أنها لم تتكيف، أو أنها لا يمكن أن تتعدل، وقد خضعت بالفعل لتغييرات كثيرة، لكن أياً منها لم يثبت توافقه مع أساسيات الحكم الإسلامي"، بحسب عبارته، ويقول في موضع آخر: "الدولة كتجربة تاريخية تتصف بالتغيير والتكيف" وهذا إقرار منه بإمكانية خضوع "الدولة" لتعديلات تغير مسارها وتتيح -ربما- تصالحها أو تكيفها مع أنماط جديدة من الحكم مختلفة عن النمط الصلب الذي يتحدث عنه.
 

إلا أنه يعود لنفي هذا الذي أقره نظرياً بالقول إن "الدولة الحديثة لا يمكن تعديل مسارها"، وهو قول، فضلاً عن تناقضه مع كلام المؤلف في مواضع آخرى، يدعم، بصورة غير مباشرة، مزاعم "نهاية العالم" و"ذروة الحضارة" التي تجعل من الحضارة الأوروبية آخر وأفضل ما يمكن أن ينتجه الإنسان وتنحو نحو حتمية انضمام سائر الحضارات إليها، وهي مزاعم كان المؤلف قد فندها في الفصل الثاني من الكتاب.