شعار قسم مدونات

"الشَّعب الواحد" كذبتنا الهشَّة!

blogs - rabaa
ربما كانت أغنيةُ «إحنا شعب وانتو شعب» التي أطلقها علي الحجّار في مصر، هي مِن أصدقِ ما وَصَف الواقع المتردِّي الذي وصل إليه البنيانُ المجتمعي في ظِلِّ فرعون الذي ظَلَّ يجثُمُ على أرواحنا وعقولِنا، ويشنقُ وعيَ أجيالِنَا في كلِّ البلاد.

كم كشَفَتْ لنا الثوراتُ عقب سقوط العِصابة التي أحكمها فرعون على عيوننا بحناجرِ الفتيةِ ودماءِ الشبابِ – زيفَ الشعارات التي تملأ الجدرانَ؛ جدرانَ البلاد؛ وجدرانَ الأرواح المترعرعة في نتن الاستبداد؛ زيفَ أنَّ شعبَنا واحد، ومجتمعنا متعاضدٌ، وأنَّ وحدتنا الوطنية الراسخة التي قرَّعوا جماجمنا بأنها سلاحنا الأقوى لمواجهة الصهيونيّة والامبرياليّة ما هي إلا أكذوبة رنَّانة، وما نحن إلا أشدُّ أعدائنا لنا، وأقسى خصومِنا علينا.

إنَّ صناعةَ المجتمعاتِ الهشّةِ التي تحملُ في ذاتِها تناقضاتِها وتستتر فيها بذور فنائها = هي الوصفةُ الفرعونيّة المستمرّة لبقائه عاليًا مسيطرًا متمكنًا.

وكم كشَفَتْ لنا الحِرابُ التي نحرتنا في الحولة الغافية على كتف حمص، والجرَّافات التي سحقت جثث الشهداء في رابعة، والخرطوش الذي أردى شباب تونس، والدبابات التي قصفت مدن ليبيا، والحصار الخانق حتى الموت المفروض على تعز، والمساجد التي تناثرت أشلاؤها في جَنباتِ العراق؛ كم كشف كلُّ ذلك عن المجتمعات الهشَّة التي يوحِّدها الظلم، وعن الكيانات الهشة التي يخيِّم عليها الاستبداد، وكم هو بالٍ ذاكَ النّسيجُ الاجتماعيّ الذي يخيطُه فرعون مستعينا بحاشيته، وسحرته من مثقفينَ وخطباءَ وفنانين لعبوا الدّور المرسوم لهم، وأدَّوا المهمة الموكلة إليهم في إقناعِنا بجودةِ هذا النسيج المهترئِ باقتدارٍ كبير.

لقد اكتشفنا فورَ ارتخاء قبضةِ فرعونَ عن رقابنا بأنَّ وحدة مجتمعاتنا وتماسكها في ظلال فرعونَ، لم تكن إلّا عباءةً سوداءَ قاتمةً تحجبُ النّور؛ تسترُ معالم جسدٍ انتشرت فيه الدّمامل والأورام السرطانيّة التي تكالبَت عليه؛ إذ فقدَ أدنى مقومات المناعة الذاتيّة، وما إن تمزَّقت عنه العباءَةُ بحناجرِ الشّبابِ حتى بدا هشيمًا تذروهُ الرياح، وظهرت عليه الفطورُ التي ترعرعت في عتمة الاستبداد بعيدًا عن شمسِ الحريّة التي تطهِّر الجسدَ والرّوح.

إنَّ صناعةَ المجتمعاتِ الهشّةِ التي تحملُ في ذاتِها تناقضاتِها وتستتر فيها بذور فنائها = هي الوصفةُ الفرعونيّة المستمرّة لبقائه عاليًا مسيطرًا متمكنًا، هذه الوصفة التي نقلها البيان الإلهي في سورة القصص: "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ " القصص/4. إنَّها خلطةٌ خبيثةٌ حيثُ يضعُ فرعونُ النَّاس جميعًا في قِدْرٍ يسمِّيها الوطن، ولكنَّه بدلَ أن يخلطهم فيها فإنَّه يضع كلَّ الموادِّ اللازمةِ لعدمِ امتزاجهم، وبقائهم مكوِّناتٍ متفرِّقةً لا تقبلُ بعضها بعضًا، يفرِّقهم إلى مناطق يتعصبون لها، ومذاهب ينتقمون لها، وأعراق يضحون في سبيلها، ثمَّ يخرجونَ في مسيراتٍ (عفويَّةٍ) متكاتفينَ يهتفونَ للوحدةِ الوطنيّة.

ويُحكِم فرعونُ إغلاقَ القِدْرِ مانعًا دخولَ الهواءِ والشّمسِ، ويوقدُ تحتَه النَّارَ، ويتحكَّمُ وحدَه بتنفيسِه كلَّما شارفَ على الانفجارِ؛ فهوَ القائدُ الملهَم، والمصلحُ الأوَّل، وإليه يُهرَعُ الجميعُ من أجل الحفاظِ على اللُّحمةِ الوطنيّةِ؛ حتى إذا ارتخت قبضة فرعون، وانفجرَت القِدْرُ؛ خرج أسوأ مَن فينا، وأسوأَ مَا فينَا، فانقضَضنا على بعضِنا، والكارثة أن يأتيكَ بعضُ السُّذَّج ليصدِّقوا فرعونَ وآلتَه الإعلاميّة التي تروِّجُ بأنَّ هذا القبحَ المتفجِّرَ منَّا والمرتدَّ في نحورِنا هوَ من مُفرَزات ثوراتنا على الطغاة، وما هو إلَّا بعضَ تدفُّقٍ للصّديد الذي خزَّنه الاستبداد في نفوسنا على مرَّ عقودٍ، كانَ يعملُ فيها الفرعون بدهاءٍ يَضِيقُ عنه أفقُ إبليسَ!

ومن هنا نكتشف أن الشِّعار الشّهير الذي صَدَحت به الحناجر مع أول يوم للثورة في سورية: «واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد» إن كنا نقصد به وصفًا لواقعنا فما هو إلا خدعةٌ كبرى يجب أن لا نحبِس أنفسنا فيها، وما هو إلا شعارٌ يُفترَى إن أردنا به التهوين من تكالُبنا على بعضنا وانتقامنا من أنفسنا، وكذلك إن كنَّا قد أطلقناه تباهيًا بوعينا الاجتماعيّ العميق، وهو شعار لا يختلفُ عمَّا كانَ يردِّده العراقيون وهم متكاتفون في أولى مسيراتِهم: «إخوان سُنَّة وشيعة، هذا الوطن ما نبيعه»، ولا عن هتاف أهل ليبيا عندما هتفوا يومًا: «لا شرقية ولا غربية ليبيا وحدة وطنية».

من غير الطبيعي ألّا يتوافق المصلِحون على خطابٍ واحدٍ يعيدُ لنا هُويَّتنا الإنسانية الجامعة التي تربطنا بهذه الأرض مواطنين عليها، لنا حق الحياة.

والواجب اليوم أن نتعامل مع هذا الشعارات على أنها مطلب الثّورات وهدفٌ رئيسٌ نبتغي تحقيقَه من وراء الانعتاقِ من أغلال فرعونَ وجنوده، وطموحٌ سامٍ تتشوَّفُ له نفوسُنَا التوَّاقةُ للحرية والحياة، وأن نصل إلى وحدتنا المكينةِ، وإزالة الهشاشة التي تعصف بكياننا الاجتماعيّ المبني على أسس الاستبداد. ولا بدَّ من التأكيدِ على أنَّ بروز هشاشتنا إلى العلن بعد أن كانت جمرًا تحت الرماد، ليس خارجًا عن نواميس المجتمعات وحركةِ التغيير، ولكن غير الطبيعي أن لا تجد مَن يحمل الدِّلاء مِن بئر الحكمة ليُريق ماء العقل على هذا الجمر الذي يشتعل فينا ويحرقنا خدمةً لفرعون وقيصر وكسرى.

ومن غير الطبيعي ألّا يتوافق المصلِحون على خطابٍ واحدٍ يعيدُ لنا هُويَّتنا الإنسانية الجامعة التي تربطنا بهذه الأرض مواطنين عليها، لنا حق الحياة؛ ننعمُ بالعدل والحرية والكرامة، مع التأكيدِ على أنَّ هذه الهُويَّة الجامعة لا تعفي المجرمَ من جريمته، ولا تسقط عنه العقوبة الواجبة بغضّ النظر عن عرقه أو مذهبه أو دينه؛ فالجميعُ أمام قانون العدل متساوون، فلا يُعفى مجرم عن جريمته، ولا يؤخذُ أحدٌ بجريمة سواه.

فيا أيها المتفنِّنون في تمزيق جثثنا، واللّعب على جراح هشاشتنا، والموقدون البخور لأصنامكم التي بناها فرعون في عقولكم وقلوبكم: كُفُّوا عنها قيسيةً يمنيةً، وتوقَّفوا عنها أوسيةً خزرجية، وترفَّعوا عنها انتصارًا لأصنامكم المذهبية والعشائرية والمناطقية؛ فقد آن أن نعيش، آن أن نحيا!.