شعار قسم مدونات

السلفيون في المغرب: تغليب المشاركة على المغالبة

القراءة العامة لمشاركة السلفيين في الاستحقاقات الانتخابية للسابع من أكتوبر القادم، تؤدي بنا مباشرة للقول أن هناك بحث حثيث من قبل بعض رموز السلفية العلمية في المغرب من أجل كسب الشرعية السياسية، التي تخول لها الاندماج الكلي في المشهد السياسي الرسمي خصوصا إذا ما توفر لها الانتساب إلى أحد أهم المؤسسات الدستورية وهي البرلمان.
 

وبالتالي تكريس مسلسل المراجعات الفكرية والمذهبية التي لا طال ما عبرت عنها هذه الرموز السلفية، والتي كانت بالمناسبة أحد الدوافع التي أدت إلى تمتعهم بالعفو الملكي بعد العقوبات الحبسية التي كانوا محكومين بها. حيث سيمكن العمل السياسي الرسمي لهذه الرموز السلفية من التكيف مع قواعد اللعب السياسي وفق الآليات الوضعية، كما سيضحى الفاعل السلفي إذا ما تمكن من الوصول إلى قبة البرلمان المغربي من التعبير عن عموم الأمة وليس عن التيار أو المرجعية السلفية التي يمثلها.
 

المشاركة السياسية للسلفيين هي نتيجة للمراجعات الفكرية التي أقدمت عليها بعض رموز السلفية، والتي كانت من نتائجها الإيمان الراسخ بأن أهم منبر للتعبير عن كينونتها هو الخروج للأضواء

وهو في حد ذاته يشكل انتفاء للتعاقد السياسي الذي يعبر في نظر السلفية عن التوحد في الرؤية والتبعية للشيخ، في حين أن العمل السياسي يخضع إلى التعدد والتنوع والاختلاف في الرؤى السياسية. لهذا في اعتقادي أن مشاركة السلفيين في العمل الحزبي وخوض غمار المنافسة الانتخابية، لن تكون له جدوى ونتائج إلا عبر مجموعة من الاعتبارات:
 

أولا: قدرة الرموز السلفية على تطوير خطاب سياسي يعبر عن آمال المواطنين وحاجياتهم وطموحاتهم الاجتماعية والسياسية.
 

ثانيا: التعاطي مع العمل السياسي باعتباره أحد الروافد الأساسية لتطوير حياة الناس وتحسين ظروف عيشهم.
 

ثالثا: اعتبار العمل السياسي وسيلة وليس غاية في حد ذاته، بمعنى آخر هو المدخل لصياغة برامج والبحث عن الحلول للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية المستعصية.

رابعا: من التحديات الأساسية الأخرى التي سوف تطرح أمام مشاركة السلفيين في العمل السياسي الرسمي، هو قدرتها على بناء خبرة سياسية تنقلها من دور الفاعل الديني القائم على المعيار التربوي والدعوي والتزكوي، إلى دور الفاعل السياسي الذي يهدف إلى إدارة التدافع السياسي ومواجهة تحديات الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

انطلاقا من هذا الاستطراد يمكن التوقف عند ثلاثة ملاحظات:
الملاحظة الأولى: يلاحظ أن التوجه الغالب لقراءة مشاركة بعض السلفيين في العملية الانتخابية مرده للدافع المادي، وهو ما يمكن أن يوضع داخل خانة الاندماج الاجتماعي، إذا اعتبرنا أن الاندماج المجتمعي للرموز السلفية المستفيدة من العفو الملكي، يدخل من ضمنه تحقيق الذات والتوفر على مستوى للعيش الكريم.

وبالتالي في اعتقادي أن تكريس مسلسل مراجعات السلفية لا يمكن أن يندرج فقط في إطاره السياسي بل أيضا في إطاره المادي، الذي يسمح لهذه الرموز من العيش بمستوى مادي يضمن لهم عيش كريم. كما أجدني أيضا متفق مع التوجه الذي ذهب إلى اعتبار أن المشاركة السياسية للسلفيين هي نتيجة للمراجعات الفكرية التي أقدمت عليها بعض رموز السلفية، والتي كانت من نتائجها الإيمان الراسخ بأن أهم منبر للتعبير عن كينونتها هو الخروج للأضواء، والدخول في غمار التدافع السياسي الرسمي باعتبارها جزء ومكون من المشهد السياسي الوطني.

فترشح العديد من الوجوه السلفية للانتخابات التشريعية المغربية المقبلة، يعتبر تكريسا لمسلسل المراجعات الفكرية والمرجعية التي أقدمت عليها هذه الأعلام السلفية منذ مدة، والتي تكرست عبر استفادتها بعفو ملكي يدخل في هذا الصدد.

مخاطبة ود الرموز السلفية من قبل بعض الأحزاب السياسية له داعي واحد هو "برغماتية" اللحظة الانتخابية التي تدفع الأحزاب السياسية للبحث عن المرشح الأكثر حظا للفوز بالمقعد الانتخابي

لهذا عملت مجموعة من الأحزاب على استمالة واستقطاب هذه الوجوه ومن ضمنها حزب الاستقلال الذي استطاع أن يقنع أحد أبرز الأسماء السلفية العلمية بالمغرب محمد عبد الوهاب رفيقي المعروف بأبي حفص من أجل الترشح بالدائرة الشمالية لإقليم فاس. وهو ترشح يحمل في طياته العديد من الدلالات السياسية أبرزها ذاتية حيث تكرس إدماج الأعلام السلفية في اللعبة السياسية وتسليمها بقواعد العمل السياسي الرسمي التي كانت ترفضها وتعارضها برمتها سابقا.
 

وثانيا هو استفادة حزب الاستقلال من الشعبية التي يحظى بها هذا الوجه السلفي لدى أتباعه ومريديه في الأوساط الدينية بإقليم فاس، مما قد يشكل منافسة حقيقية لحزب العدالة والتنمية التي أضحت فاس أحد قلاعها الانتخابية الحصينة. وثالثا التهافت هلى اقناع الأعلام السلفية من أجل الانخراط في التنافس الانتخابي من شأنه أن يعزز مكاسب الأحزاب المستقطبة لهذه الأعلام من أجل كسب الصف السلفي، الأمر الذي من شأنه أن يوفر كتلة ناخبة قادرة على تحقيق نتائج انتخابية جيدة في الرهانات التشريعية القادمة.
 

وعليه فمخاطبة ود بعض الرموز السلفية من قبل بعض الأحزاب السياسية له داعي واحد ووحيد هو "برغماتية" اللحظة الانتخابية التي تدفع الأحزاب السياسية للبحث عن المرشح الأكثر حظا للفوز بالمقعد الانتخابي.

لهذا ف"بروفايل" هذه الرموز التي تتوفر على قاعدة واسعة من الأتباع تجعل حظوظها وافرة للتنافس والفوز بمقاعد انتخابية. مما يجعل رهان الأحزاب المستقطبة لها رهانا سياسيا بالأساس للفوز بمقاعد إضافية خلال التشريعيات القادمة. إذا هو صراع على كسب الصف السلفي الذي يتوفر على قاعدة موحدة من الناخبين من شأنها أن تحدث مفاجآت عديدة في موازين النتائج المحصل عليها لدى الأحزاب في العديد من الدوائر الانتخابية.