شعار قسم مدونات

الإيمان والوعي بالمعاناة

blogs - duaa

"إنّ في هذه الحياة لعنة مفرطة من استقصى أثرها لا أظنه سيرى شيئاً غيرها، ومن تجاهلها فهو لا يرى الأشياء أبداً" هذه الكلمات منذ أن نطق بها صديقي وهو يحدق للأعلى تخيلته من فرط صدقها راهباً في دير جبلية سورية قديمة وهو لتوه أتاني منهمكاً في حياته مستعجلًا ليلحق بحفل كبير ليلتها بعد أن دخن كمية مناسبة من "الشيشة" بدت واضحة على مزاجه.
 

إن في هذه الحياة بؤس قديم، وإن وجودنا قاسٍ جداً، نحن نمتلك فقط أن نستوعب، دون غضب، أن العالم مليء بالحماقات والجشع وأن المعاناة وخيبة الأمل كامنين فينا، وبنا، ورغماً عنا ونحن نتلمّس جدوى الدين في أجل صورها في إنه يوفر لنا ما نحتاجه.. ذلك الأمل الذي يمنحنا له، ذلك الحلم بالعدالة والإلتزام الأخلاقي، ذلك الفأل بالجزاء وتلك النصوص التي تخفف حيرتنا، وتتدارك تساؤلاتنا وقبل ذلك كله أنه يسهم في حل معضلتنا الأخلاقية.
 

"أن تسافر جيداً خير من أن تصل" هذه المقولة تنطوي على فهم لطبيعة الحياة وصعوبة طرقها المختلفة وتعدد خلاصاتها المحتملة.

إن تصرفات الذين يستندون على معتقدات، على مر التاريخ، هي جزء لا يمكن إنكاره من تاريخ تلك المعتقدات، فبأي حق يمكن أن ننكر علاقة إستالين بالشيوعية، أو بوكو حرام بالإسلام، أو نرفض نسبة مذابح الوثنيين واليهود للكنيسة عند دخول المسيحية الإمبراطورية الرومانية! إننا نهمل تأثير البشر على الأديان، فسلوك الأتباع هو وصمة أساسية على كل ديانة أو معتقد وهو ما يرسخ في ذهن "الآخر".
 

مهما حاولنا الفصل بين المثال والتجربة، ومهما تحدثنا عن جوهر غير مطبق بعد، فإن ما يبحث عنه الآخر في ديانتك هو سلوكك، أخلاقك، وتصرفاتك.. لا نصوصك. والنص المقدس بالفعل ثابت لا يتغير، ولكل ديانة كذلك جوهر ولكن نظرتنا هي التي تتغير وستظل تتغيّر وتتبدل طالما أن الشمس تشرق وتغرب، وتلك النصوص لا تؤثر على العالم إلا من خلال رؤيتنا لها، وتظل تلك الحقيقة وذلك الجوهر يقلل من معدل تغير رؤيتنا ويبطئه في عملية مقاومة لا غنى عنها.
 

لا تأتوا على أديانكم من أخلاقكم فإن موقفا سطحياً غبياً من فهم وتفسير النصوص لا يؤثر البتة على حاجتي للإنتماء لما هو غير محسوس، ولا ينقض إحساسي بوجود هذه الحاجة، لكن موقفاً أخلاقياً متدنياً واحداً من المتدينين كفيل بزلزلة كل إيماني وانتماءاتي، إنه يهز تماماً كل خيالاتي الإيمانية، إنه يسحب الحقيقة الأساسية: أن الإيمان في خدمة النفس.
 

وإن هذا الإيمان بما هو "غير محسوس" له مبررات أقوى من التي تجعل ملحداً يهيم ب"جمال" تكعيبيات بيكاسو، تلك الرسومات التي لا يستطيع إستساغتها البعض أو يعتبرها فارغة مشوهة قد تخيف الأطفال، بينما يعتبرها بيكاسو نفسه، على إلحاده، "الشيء الكامن فينا منذ الأزل". إن ذلك "الشيء" الذي يدفع بيكاسو للفن يدفع المؤمنين للغيب كذلك، إن مبرراتهما تنبع من ذلك اللامحسوس وإن هذا اللا محسوس لا وجود له إلا في سلوكنا.
 

فالطبيعي أن الناس تنتظر من المتدين ما لا يفلحون هم في أدائه وترجمته، ما يحتاجون وجوده ويعولون عليه، ويفتقدونه في الوقت ذاته، إنه الضمير الصاحي الحي واليقظ ، الضمير الصادق الذي يمنع، قبل الضمير المتأخر المتخاذل الذي يؤنب وإن التأنيب محاولة صادقة، وبائسة في الوقت نفسه لمسامحة النفس، لتدارك تقديرنا لها .
 

إن ما يمنعني من أن أكون ملحدًا في المقاوم الأول يتعلق بالإلحاد نفسه، فتلك الحالة السلبية التي لا تقدم إجابات على أسئلتنا الوجودية، ولا تفسر لم نحن هنا، ولا تبني أي منظومة قيمية، بل تشارك بصورة عكسية في حل معضلتنا الأخلاقية عن طريق التنصل من كل ما هو غائي ونهائي قادرة تماما وبألف ضربة إزميل خفيفة أن تدمر الكوكب ، وإن التعويل على أي نظام إجرائي خارجي يجبر البشر على ضبط سلوكياتهم هو أمر غير مجدي دون تربية فردية شخصية للنفس تتكئ على إقتناع تام بغايات ومثل، ما عدى ذلك سيبدو الأمر هشا.
 

ما سوّغته من تبرير إلى الآن ليس له أي علاقة بالتدني ولا الإنحلال الأخلاقي الذي يُتهم به الملحدون، ولا ينكر في الوقت نفسه أن موقف الإلحاد من الأخلاق "عملي" فقط، لا يتعلق بأي نوع من السمو، وبعض الفلسفات الإلحادية كوجودية سارتر تدعو للتحرر من كل موروث أخلاقي حيث على الفرد أن يختار القيم التي تنظم حياته ويحدد صفاته وماهيته بطريقة حرة دون إرتباط بخالق ولا قيم محددة سلفاً.. وهذه برأيي فوضى كارثية.
 

البعض بالتأكيد سيهز رأسه نافياً أن ما أقوله إلى الآن يستلزم نتيجة أن الإلحاد فكرة خاطئة.. وإنني أعتقد قبل ذلك أن الإيمان خيار والإلحاد خيار كذلك، يختار أي منها الفرد بنفسه ولنفسه، وأن كل باحث صادق يجدر به التسليم لما ظهر له من حقيقة على ضوء تجربته الكونية.
 

إن ما يهمنا من أمر الإيمان في حياتنا أنه يجبر معاناتنا الراسخة، ويربط ذلك بفكرة أكثر تفاعلاً وإيجابية، إنها فكرة الجزاء.

بوذا المعلم الروحاني الهندي مؤسس الديانة البوذية يقول "أن تسافر جيداً خير من أن تصل" هذه المقولة تنطوي على فهم لطبيعة الحياة وصعوبة طرقها المختلفة وتعدد خلاصاتها المحتملة، وللعلم فإن الديانة البوذية تقوم فلسفتها في الأصل على أن الحياة معاناة، وحالة "النيرفانا" التي يود أن يرتقي لها أتباعها هي محاولة لتجنب المعاناة بالسمو فوق الشهوات والرغبات واللهفة والإنفعالات العاطفية كالغضب والحزن.
 

وكون المجتمع الياباني الذي تدين غالبيته بالبوذية هو الأكثر تهذيباً وانضباطاً -بمقاييس الحد الأدنى من الاتفاق- وسعياً نحور التطور في الوقت نفسه، له دلالة على أن إدراك المعاناة كحقيقة أولية وفاعلة والأخلاق كوسيلة تجاوزية حتمية/ضرورية لا غنى عنه لموائمة الوجود الإنساني، ومن ثم التركيز على ما هو مهم حقاً، مادامت الفرصة متاحة للعمل.

إن ما يهمنا من أمر الإيمان في حياتنا أنه يجبر معاناتنا الراسخة، ويربط ذلك بفكرة أكثر تفاعلاً وإيجابية، إنها فكرة الجزاء، وإن هذه المعاناة هي ما ألهمت قيمنا وأخلاقياتنا منذ المجتمعات الأولى، سواء أنتجها الحدس بحسب مور أو العقل بحسب كانط أو الدين عند المتصوفة، أو كان لها ماضٍ تطوري ولكن يبقى الدين بوصلة مهمة تنظم هذه المسيرة الأخلاقية أو تضبطها أو تفرضها، بل تبررها عند الكثيرين، وتظل مقولة دوستويفسكي على لسان "إيفان" في الإخوة كارامازوف "إذا لم يكن الله موجوداً، فكل شيء مباح" مقولة قوية وثقيلة لا يمكن تجاهلها.

 

أنني لم أفهم يوماً صنفان من الناس، أولائك الذين لا يعانون البتة وتتملكهم آمال على الدوام، وأولائك المؤمنون الذين ينكأون معاناتنا المرة تلو الأخرى بمواقفهم الشخصية أو فتواهم العلنية، لكنها مأساة أدياننا؛ أننا نتعاطى معها ونستهلكها كلمات ونصوص وعِظات، غير أن إصلاح السلوك هو ابن التفاعل مع الواقع فقط.
 

إن نُبلنا الذي نتوق إليه في خضم معاناتنا لا ينبغي أن يصير حبيس في دندنة ترانيم سيريانية أو بيزنطية قديمة، أو في سماع تلاوات مصرية طويلة تستثيره فقط، إنه يتحرر ونلامسه في الواقع فقط بالألم الذي نحتمله داخل منظوماتنا القيمية والأخلاقية التي نلتزم بها.